الفصل الأوّل
التَّمرُ والزَّمَن
اطلسُ مَدينةٌ، أَو لَيستْ مَدينة. هي قافِلةٌ توقَّفَتْ ولم تَعُد. هي خَيمَةٌ ضَربَها أَحَدٌ في صَحراء، وَبَنى تَحتها بَيتاً، ثم بَنى آخر، ثم اِجتَمَعَتْ بُيوتٌ، ثم أَسوَأَر، ثم بَوّابة. كلُّه دونَ أن يَمضي وَقتٌ. الزَّمنُ هَنا لا يَجري. هذا قانونها.
الناسُ هَنا أَعمارُهم لا تَتغيَّر. مَن دَخَلَ في العِشرين، يَبقى. مَن دَخَلَ في الستِّين، يَبقى. ليثٌ دَخَلَ في السّابعةَ عشرة. هَو الآن — بَعدَ ثَلاثينَ سنةً مِن خُروجِه مِن مدينَتِه — في السّابعةَ عشرةَ ما يَزال.
في كلِّ بابٍ تينةٌ. في كلِّ ساحةٍ نَخلةٌ. التَّمرُ في الأَواني. المِشمِشُ على المَوائد. المَلكَةُ — يَقولونَ — هَي ورَدةُ مَايو. زَهرَةٌ كَبيرة، حَمراء، مَعلَّقَة في فَناءِ القَصر. لا أَحدَ يَلمَسها. كأنَّها هي، في حَدِّ ذاتها، الحُكم.
ليثٌ لم يَعدْ يَفكِّرُ في مَدينَة الذِّكرى. هَي صَارَتْ كَحُلم. أَخوهُ، أَبوه، أُختُه — كأنَّهم كَلِماتٌ قَرأَها يَوماً ولَم يَعرف مَعناها. حِينَ يَنظُرُ إلى المرأَةِ التي وَجدَها هَنا، يَنسى كلَّ شَيءٍ. هي تُشبهُ أَحَداً يَعرفُه، ولا يَتذكَّر.
الفصل الثاني
الحَبَقُ والمُسافِر
في يَومٍ ما، يَأتي إلى اطلس مُسافرٌ آخر. اِسمُه عَصب. بَحَّارٌ، يَزعُمُ أنَّه ضاعَ في صَحراء. يَدخُلُ بَيتَ الشّاي في وَسَطِ السُّوق. يَجلِسُ. يَطلبُ شاياً بِالحَبَق. يَلتَفتُ إليه ليث. يَنظرُ. يَعرفُ وَجهه — مِن حُلمٍ ربَّما. يَقول: «إنتَ بَحَّار؟» يَقولُ عَصب: «كنتُ.»
يَجلسُ ليثٌ بِجانبه. الكُزبَرَةُ في الشّاي. الحَبَقُ يَعطي طَعماً غَريباً. يَتحدَّثان. عَصب يَحكي عن مدينةٍ بَعيدة، عن امرأةٍ وَجدها على شاطئ، عن رَسائل لم تَصِل. ليثٌ يَستمع. يَشعرُ في صَدره بِشَيءٍ يَتحرَّك. شَيءٌ نَائمٌ مُنذُ زَمن.
يَقولُ ليث: «يا عَصب، إنتَ مَرَّةً عَرفتَ وَلَداً اِسمُه ليث؟» يَنظرُ عَصب. يَتذكَّر بِبُطء. كأنَّ الزَّمنَ يَتباطأُ في رَأسه. يَقول: «أَيوَه، مرَّةً. كانَ صَغيراً. اختَفَى مِن مَدينةٍ على البَحر.»
ليث يَبتسمُ. لِأَوَّلِ مرَّةٍ مُنذُ ثَلاثينَ سنة، يَبكي. يَقول: «أَنا هَو.» عَصب لا يَنظرُ إليه بِغَرابة. يَأخُذُ يَده. يَقول: «إنتَ هَو. وأَنا — أَنا الذي ضاعَ مِنذُ زَمن. كلانا ضاعَ، يا حَبيبي. وكلانا، الآن، وَجَدَ.»
الفصل الثالث
التِّينَةُ في الصَّحراء
في تلكَ اللَّيلة، يَخرجانِ مَعاً. القَمرُ كاملٌ. يَمشيانِ خارجَ السُّور. الصَّحراءُ تَمتَدُّ بِلا أُفق. لَكنَّ شَيئاً يَبدو — في البَعيد. شَخصٌ يَقتربُ. شَيءٌ بَعيدٌ يَتحرَّك.
اِمرأَةٌ. ثَوبٌ أَبيضٌ. شَعرٌ طَويل. تَتقدَّم. كأنَّها تَخرُجُ مِن كَثيب. ليثٌ يَتجَمَّد. عَصبٌ يَنظرُ ويَسكُت. تَقتَرِبُ المرأَة. يَرى ليث وَجهها. اِمرأَتُه — التي وَجَدَها أوَّلَ مرَّةٍ في البَوّابة. لكنَّها — هذا غَريب — تُشبهُ أَيضاً أُختَه. تُشبهُ ليلى. كأنَّ المرأَتَين شَخصٌ واحد.
تَقولُ بصَوتٍ هادئ: «لِيث، رَجَعتَ؟» يَقول: «أَنا ما رِحت.» تَقول: «وأَنا ما رِحتُ بَلَدي. هَو معي هُنا.» يَنظرُ في عَينَيها. كَأَنَّ ليلى وزَوجَتَه كانتا، طَوالَ الوَقت، شَخصاً واحداً.
يَجلسونَ تحتَ تينَة. عَصبٌ يَفتحُ كيسَه. يُخرجُ تَمراً. ابتسمَ ليث: «هذا مِن بَيتي القَديم.» قالَ عَصب: «أَيوَه، مِن بُستانِ جَدِّك. حَملتُه مِن سَنَواتٍ، وما لَقيتُ مَن أَدِّيه له.» قالتِ المرأَةُ، التي اسمُها — لم نَكُن نَعرفُ — اسمُها ليلى أَيضاً: «تَدِّيه إلنا الآن.» وأَكَلوا الثَّلاثة. الأَمبريت في الجَوّ، والياسمينُ على بَعض، والزَّمنُ — هَكذا قَرَّر — لا يَتحرَّك.