وراء كل عطر قصة

زمان

زمان

 

 

 


الجريبفروتُ في صَباحٍ ضائع

زمن — الجريبفروتُ في صَباحٍ ضائع

هذي قِصَّةٌ ليس لها مَكان. إن كانَ الكونُ كلُّه كِتاباً، فهذا الفَصلُ هَوامِشُه. كلُّ رائحةٍ شَمَّها أَحدٌ يَوماً، تَنتَهي هَنا. كلُّ ابتسامةٍ ضَيَّعَها إنسان، تَجدُها هَنا. الجَريبفروتُ على شَجَرَةٍ كَبيرةٍ، ناضجةٍ في كلِّ المَواسم.

هذا الزَّمنُ ليس زَمناً. هَو حَديقةٌ. حَديقةُ الجَدَّةِ، لكن أَكبر. حديقةٌ على الجَدَّاتِ كلِّهنَّ، وَالأُمَّهاتِ، وَالأَخَوات. الحَدائقُ كلُّها التي ضاعتْ، اِجتَمَعَتْ هَنا. مَن دَخَلَ، عَرَفَ. مَن لم يَدخُل، يَأتي يَوماً ما.

ليلى — التي ماتتْ في فُستانها — هَنا، حافيةً، شابَّةً، تَلتَقطُ حَبَّةَ جَريبفروتٍ، وتَأكُلها وحدَها. لا تَبكي. لا تَضحكُ كَثيراً. تَبتَسمُ ابتسامةً صَغيرة، كأنَّها تَفهَمُ شَيئاً. الفانيلّا في كلِّ نَفَس.

حَولها زُهور. زُهورٌ لا تَذبُل. وَردةُ مايوٍ مَع وَردِ شامٍ مَع ياسمينٍ شَتويٍّ مَع نَرجِسٍ صَيفيّ. كلُّ زَهرَةٍ في كلِّ فَصل. كأنَّ الزَّمنَ نَفسَه قد هَدَأَ وقالَ: لا تَتَعَب. أَنا أَيضاً أَتعَب أَحياناً، وأُريدُ أن أَستريح.


الزُّهورُ التي لا تَذبُل

زمن — الزُّهورُ التي لا تَذبُل

في زاويةٍ مِن الحَديقَة، تَجلسُ الجَدَّة. لابسةً أَسوَد، كَدَأبها. حَولها فَيروزُ الصَّبيَّة، تُغَنّي. شُبَّاكٌ مِن البَيتِ القديمِ وُضِعَ هَنا، مَفتوحٌ كَيومٍ لم يُغلَق. كَعكةُ الفانيلّا تَبرُد كأَنَّها لم تَدخُل الفُرنَ بَعد، أَو كأَنَّها خَرجَتْ مِنه بِالأَمس.

شَهابٌ هَنا أَيضاً. يَحملُ دَفترَه البُنّيَّ. لكنَّه — لِأَوَّل مَرَّةٍ — يَقرأُ بِصَوتٍ عالٍ. ليلى تَستمع. لا تُقاطِعُه. تَهُزُّ رأسها أَحياناً، تَبتَسمُ أَحياناً. حِينَ يَنتَهي مِن قَصيدةٍ، تَقول: «جَميلة. ليه ما قُلتها لي؟» يَقول: «كنتُ أَخاف.»

أَصيلٌ يَعمَلُ في رُكنِه. يَنحَتُ عُوداً، يَخلطُ بَخوراً. حَفيدةُ كانَ يَنوي أن يَخدمَها — ليلى — تَجلسُ أَمامَه. يَقولُ: «بَكِّيكِ هَذي.» يُقدِّمُها لها. تَأخذها. لا تَلبَسها. تَحمِلُها. كأنَّها تَعرفُ أَنَّها أَكبَرُ مِن أن تُلبَس.

مُحاربٌ في زاوية، يَجلسُ على دَكَّةٍ مِن خَشب. زَهرَةُ البُرتُقالِ في كُمِّه. شَجَرَتُه أَمامَه. يَلعبُ بِبِنته الصَّغيرة، التي ماتَتْ في الرَّابعة، الآن في الرَّابعة. كأنَّ الزَّمنَ — في هذا المَكان — يُعطي كلَّ واحدٍ اللَّحظةَ التي يُريد.


الفانيلّا الأَبَديّة

زمن — الفانيلّا الأَبَديّة

يَأتي قَيسٌ آخِرَهم. كانَ الأَطوَلَ في الانتظار. حِينَ يَدخُل، يَكونُ شَيخاً، شَعرُه فِضِّي، ظَهرُه مُنحَنٍ. لكنَّ ليلى تَعرفُه. تَبتسمُ. تَهمسُ: «وَصَلت.»

يَجلسُ بِجانبها. تَكونُ هي شابّةً مَا زالتْ. لا يَهمُّ. هَنا، الزَّمنُ ليس فيه فُروقات. يَأخُذُ يَدها. تَنظرُ إليه. تَقولُ: «أَنا كنتُ بَستَّناك.» يَقولُ: «أَنا كنتُ آخرَ مَن مات.» تَقولُ: «أنا كنتُ أَوَّلَ مَن صار.»

ضَحِكَتْ. ضَحِكَ. تَعَلَّقَ بكَتفِها كَطِفل. وَضعتْ يَدَها على شَعرِه. الجَدَّةُ مِن بَعيد، رَفَعَتْ كَوبَ شاي. فَيروزُ تَوقَّفتْ عن الغِناء. شَهابٌ أَغلَقَ دَفترَه. أَصيلٌ وَضَعَ العُود. مُحاربٌ حَملَ ابنَتَه. كأنَّ الجَميعَ — في تلكَ اللَّحظة — التَفَتَ.

والفانيلّا في الهَواء، صارتْ ثَقيلةً، حُلوةً، شامِلة. كأنَّها — في هذي الحَديقة — هي الزَّمنُ نَفسُه، يَفوح. مَن دَخَلَ هذي الحَديقَة، يَفهَم: ليس المَوتُ نِهايَة. المَوتُ تَأخيرُ مَوعِد. وكلُّ مَوعِدٍ، آخرَ الأَمر، يَحضُر.

همسة هذي الحَديقة — يقولونَ إنَّها هي ما كانَ يَشُمُّه قَيس مِن النّافذةِ كلَّ ليلة. كانَ شَيءٌ مِن الحَديقَةِ يَتسرَّبُ إلى عالَمنا، فَيَفوح. لذلك تَفوحُ بَعضُ بُيوتِنا فَجأةً برائحةٍ لا نَعرفها — هذا، هي.
السابق
حلم
التالي
سكن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.