وراء كل عطر قصة

قيس

قيس

 

 

 


تفّاحةٌ على الطاولة

قيس — تفّاحةٌ على الطاولة

قيس لا يَطلبُ القَهوة. يَطلُبُ نُعناعاً وليموناً، وتفّاحةً غيرَ مُقَشَّرة. يَضعُ التفّاحةَ أمامَه ولا يَلمسُها. يُسأَل: لماذا تفّاحة؟ يقول: «كانتْ تُحبُّ التفّاح، لأنّه يَطول.» ساعة، ساعتان. الصَّبيُّ يَحرصُ على ألّا يُبَدِّلَ الكأسَ قبلَ أن يومئَ. ولا يومئ.

يَبقى الليمونُ يَطفو، والنُّعناعُ يَذبُلُ، والتفّاحةُ تَكبُرُ بعينَيه. حدَّقَ فيها مرّةً، فظَنَنتُها قد أَزهرتْ. ضَحكتُ. لم يَضحَك. يَكتبُ على هامشِ الجريدة: «أَعطِني النّايَ وغَنِّ، فالغِنا قَبرُ الهُموم.» يَكتبُ جُبران، ويَظنُّ أنَّ ليلى ستَعودُ لو أنشدَ البَيت.

يقولُ لي: «ليلى ما كانتْ تُحبُّ القَهوة، كانتْ تَكرَهُ مرارتَها. لذلكَ صِرتُ لا أَشربُها.» المُرُّ هنا، في القَهوةِ المتروكة، صارَ لها — كأنّها هي وحدَها مَن ابتلعَتْ كلَّ مرارةِ هذي المدينة.

ويَضحكُ أحياناً، ضحكةً صغيرةً، ثم يُطفئُ ضحكتَه بكأس الليمون. كأنَّ الفرحَ عندَه أيضاً ممنوع. صبيُّ القَهوة سألَه ذاتَ مساء: «خالو، التفّاحةُ ذَبُلتْ.» قال: «وأنا أيضاً، يا بُنيّ. اِترُكْها.»


حبَّةُ التُّونكا تحتَ الضِّلع

قيس — حبّة التونكا تحت الضلع

في صَدرِه مكانٌ صغيرٌ يُحرِقُه. يقول: «هنا حَبَّةُ التّونكا.» لم أَفهَم. شَرحَ: «حينَ كنّا في الخامسةَ عشرة، أَهدَتني عُلبةَ عطرٍ فيها حبّةٌ سوداءُ صغيرة، حبّةُ تُونكا. قالت: ضَعها قُربَ قلبِك، وحينَ أرحَل، ابحثْ عنها هناك. ستَعرف.»

وَضَعها. وحينَ رَحلتْ، فَتحَ الجَيبَ، فلم يَجد الحبَّة. ظنَّ أنّه فَقَدَها. ظَلَّ يُفتِّشُ في الغرفةِ شَهراً، ثم في الشّارع، ثم في الميناء. لم يَجد. ذاتَ صباحٍ، استيقظَ على ألمٍ في صَدرِه. فَتحَ قَميصَه، وكانت الحبّةُ قد دَخلتْ في جِلده، صارتْ جزءاً منه.

منذُ ذلك اليوم، يقولُ إنَّ ليلى تَسكُنُ تحتَ ضِلعِه الأَيسر. ويقول: «حينَ تَشتاقُني، تَدُقُّ.» وكانتْ تَدُقُّ كثيراً. أحياناً يَضعُ يدَه على صَدرِه، ويَبكي، ويقول: «اللّيلةَ أيضاً.»

في إحدى لَيالي يناير، اشتدَّ الدَّقّ. ذَهبَ إلى الطَّبيب. قالَ الطبيبُ: «لا أرى شيئاً، يا سيّدي.» قال: «أنا أَسمعُها.» قال الطّبيبُ: «اِسمعْها إذاً.» وكتبَ على الوصفة: «دواؤكَ ليس عندي.» قيس عَرف. وذَهَب.


الفانيلّا التي لا تُسكِر

قيس — الفانيلّا التي لا تُسكِر

كلَّ ليلةٍ، يَمشي إلى البَيتِ الخَشبيِّ القديم. يَقفُ أمامَ نافذةِ ليلى. يَرفعُ رأسَه. يَهمسُ: «أنا هنا.» لا أحدَ يُجيب. فيقول حزينًا: «أَمُرُّ عَلى الدِيارِ دِيارِ لَيلى … أُقَبِّلَ ذا الجِدارَ وَذا الجِدارا … وَما حُبُّ الدِيارِ شَغَفنَ قَلبي … وَلَكِن حُبُّ مَن سَكَنَ الدِيارا.» والنّافذةَ، أحياناً، تَنفتحُ وحدَها. ويَفوحُ منها — لا أَكذِب — ريحُ فانيلّا وخَشبٍ وقُطنٍ نَظيف. هي رائحتُه هو.

كأنَّ البيتَ يَردُّ عليه برائحته نفسِها، يقولُ له: «أنتَ الذي هنا، مش هيّ.» وقيس يَفهَم، ويَنحَني، ويَتركُ تفّاحةً على العَتبة، ويَنصرف. ويَأتي صُبحاً، فلا يَجدها. مَن أكَلَها؟ لا أحد. كأنَّ البيتَ يأكُلُ ما يَتركُه. أو كأنّ ليلى تَنتَظرُه بأن يَأتي بها بنفسه.

في الليلةِ التي قَرَّرَ فيها التَّوقُّف، جاءَ كعادته. لم يَهمِس. أَطفأَ سيجارتَه على عَتبةِ الباب. التفت. مَشى. لكنّه — يقول — سَمِعَها. سَمِعَها تقول: «ليش رايح؟» التفت. لم يَجد أحداً. لكنَّ الياسمينَ كان قد فُتِح.

وفي الصّباح، وَجدوا تفّاحةً مَقطوعةً نِصفَين على عَتَبةِ بَيتها. لم يأكلها قيس. لم يأكُلْها أحد. تَركوها هناك حتى ذَبُلتْ. كأنّها كانت تَنتظرُ أن يأكلَها هو، والآن لا أحد. ومنذُ تلكَ الليلة، لم يَعُد قيس إلى القَهوة. وما عاد التفّاحُ يَكبُر.

همسة يقولونَ إنَّ قيس، في عالمٍ موازٍ يُسمّى «سكن»، فَتَحَ البابَ فوَجدَها. قالتْ: «ليش تأخّرت»؟ قال: «كنتُ بدوّر».
السابق
ليلى
التالي
فارس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.