وراء كل عطر قصة

بيروت

بيروت

المانجو يَحترق

جَمْر — المانجو يَحترق

هَكذا يَأتي الفَجرُ الأَخير: شَجَرَةُ المانجو في حَديقةٍ بَعيدَة تُولَدُ فيها أَوَّلُ شَرارَة. لِسانٌ صَغيرٌ، وَردي، يَقفِزُ بَين الأَوراق. ثم تنتشر النّار. الزَّنجَبيلُ في الهواء يَشتعِلُ كَإنَّه روحٌ كانَ يَنتظرُ هذا. اللَّيمونُ على الأَشجارِ يَنفجِرُ كَزَجاج. الفَواكهُ الحَمراءُ تَسيلُ.

في كلِّ مَدينةٍ، النَّاسُ يَخرُجون. لا أَحدَ يَفهَم. الإذاعةُ — لِأَوَّلِ مرَّةٍ في تاريخها — صامِتة. مدينةُ الذِّكرى، بَيتُها الخَشبيُّ القَديم، يَفوحُ بِفانيلّا غَريبة. كَأنَّه يَتنفَّسُ آخِرَ نَفَس.

قَيس في غُرفَتِه، نائم. يَستيقظ. يَرى الضَّوء الأَحمَر مِن النّافذة. لا يَخاف. ابتسمَ. يَقولُ: «حَبيبتي، إنتي قاعدة تِنادي.» ينهض. يَلبَسُ قَميصَه. يَخرُج. يَمشي إلى البَيتِ الخَشبيِّ القَديم — كَكلِّ ليلة. إلّا أنَّ هذي اللَّيلةَ النّارُ في الأُفق.

في «اطلس»، ليثٌ والمرأَةُ التي تُشبه ليلى يَخرُجانِ مِن البَيت. في «عَدَن»، ليلى الأُخرى تَجلسُ على شاطِئها وتَنظر. في «سَكَن»، ليلى الزَّوجةُ تَوقِظ قَيسها وَتَقول: «حانَ الوَقت.» في «زَمَن»، الجَميعُ يَلتَفِتُ إلى السَّماء.

الياسمينُ يُقاوِم

جَمْر — الياسمينُ يُقاوِم

النَّارُ تَكبُر. التُّوتُ الأَحمر، الأَرز، الأَخشابُ القديمة — كلُّها تَحتَرق. الكوماريَن المَطبوخُ في حُلواتِ الجَدَّةِ يَنبَعِث مِن البَيتِ المَهجور. كأنَّ كلَّ رائحَةٍ في كلِّ بَيتٍ مَوجودَةٍ في هذا الكَوكَب، بَدأتْ تَطير في وَقتٍ واحد.

وَردةُ بائعةُ الزُّهور — التي ماتتْ مُنذُ سَنوات — تَظهرُ بَين النّاس. لا أَحدَ يَستَغربُ. كأنَّ — في النِّهايَة — كلُّ شَيءٍ صَحيح. الزُّهورُ في يَدها مَفتوحةٌ كلُّها، حَتى الذّابلة. تُوزِّعُها على المُنتظرين.

الياسمينةُ في شَجَرَةِ بَيتِ ليلى — وَحدَها — لا تَحترق. كأنَّ الياسمينةَ، في نِهايةِ الأَمر، أَكبَرُ من النَّار. تَتفَتَّحُ زهراً يَتفَتَّح كأنَّه يَقولُ: «أنا هَنا. لا أَخاف.» النَّارُ تَدورُ حَولها. لا تَدخُل.

قَيس وصَلَ إلى البَيت. وَقَفَ تحتَ الياسمينة. النّارُ تَحيطُ به. لا يَخاف. النّافذةُ — لِأَوَّلِ مرَّة — مَفتوحةٌ مِن نَفسها. ليلى هناك. ليستْ في البَيت. هي مَفتوحةٌ في نَفس الياسمينة. كأنَّ الياسمينَ هَو ليلى. كأنَّها كانَتْ هَكذا دائماً، ولم نَرَ.

العُودُ والعَنبَر

جَمْر — العُودُ والعَنبَر

تأخذ ليلى يدَ قَيس. تَقولُ: «خَلِّينا.» يَقول: «خَلِّينا.» العُودُ الأَخيرُ يَحتَرق. في مَكانٍ بَعيد، الشَّيخُ أَصيلٌ يَحرقُ آخرَ قِطعةٍ كانَ يَحفَظها. الدُّخانُ يَرتَفع. العَنبَرُ يَسيل. كلُّ رائحةٍ مِنذُ بَدءِ الكَونِ تَجتَمعُ في هذي اللَّحظَة.

تَهمسُ ليلى: «وحدُن بيبقَوا متلَ زَهر البَيلسان…» يُكمِلُ قَيس: «وحدُن بيبقَوا، ووحدُن بيبقَوا.» يَتعانقان. النّارُ تَأكلُ كلَّ شَيء. لكنَّ الياسمينةَ تَبقى. وفيها هُما الاثنان.

الأَوهامُ تَنزاح. الحُجُبُ تَسقُط. مَدينةُ الذِّكرى، اطلس، عَدَن، سَكَن، زَمَن — كلُّها تَتَّحدُ في لَهَبٍ واحد. كأنَّ خَيطَ الياسمينةِ كانَ يَربطها كلَّها مُنذُ البَدء، الآن نَراه — لِأَوَّل مرَّة — كَخَريطة.

ثم — لا أَحدَ يَعرفُ كَيف — تَأتي رِيحٌ هادِئة. تَأخُذُ الدُّخان. تَحملُه إلى الفَضاء. وتَتركُ الياسمينَ. ليلى وقَيسٌ، في داخِلها، صارا هما الياسمينَ نَفسَه. والياسمينُ صارَ كَوكَباً صَغيراً، أَخضرَ، يَدورُ في فَلَكٍ بَعيد. مَن يَنظرُ إلى السَّماءِ في ليلةٍ صافية، قد يَرى نَجمةً صَغيرةً خَضراء. تلكَ هي.

همسة نَجمةٌ خَضراءُ في السَّماء — يقولُ نَجم، ابنُ ليث، إنَّه يَرى نَجمةً غَريبةً كلَّ ليلَة، ولا يَجدها على أَيِّ خَريطَة. حِين تَكبُر اِبنَتُه ليلى، تُسَمّيها «نَجمَتي».
السابق
سكن
التالي
أطلس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.