وراء كل عطر قصة

عدن

عدن

المِلحُ في الهَواء

عَدَن — المِلحُ في الهَواء

عَدَنُ ليستْ خَيالاً. هي جَزيرَةٌ على بَحرٍ هادئ. لا تَجدُها على خَريطَة، لكنَّ مَن وَصلَها يَعرف. ليلى تَعيشُ هَنا. اِمرأَةٌ في الثَّلاثينَ، شَعرها طَويلٌ يَتركهُ مَفتوحاً، فُستانٌ أَزرقُ خَفيف. بَيتٌ صَغير، أَبيَض، شَجَرَةُ تينٍ على البَاب.

كلَّ صَباح، تَخرجُ. تَجمعُ تِينةً واحدةً. تَشمُّها. لا تأكلها كلَّها. تَأخُذُ نِصفها، وتُعيدُ النِّصفَ الآخرَ تحتَ الشَّجَرَة. تَقول: «هذا للذي يَأتي.» لا يَأتي أَحد. لكنَّها تَفعلُ ذلك مُنذُ سَنين. كأنَّها تَعرفُ — بِشَكلٍ ما — أَنَّ شَيئاً سَيَأتي يَوماً.

النَّعناعُ في فِنائها. الزَّنجَبيلُ في الإِناء. جَوزُ الهِندِ — كَثيرٌ، نَخلٌ في كلِّ مَكان. المِلحُ في الهَواء، يَدخلُ تحتَ الباب، يَلمسُ شَعرَها. صَباحاً، تَستيقظُ، فيَكون شَعرُها كأنَّه حَبلٌ جاءَ مِن البَحر.

في إحدى الصَّباحات، تَجلسُ على كَتفِ الشّاطئ. تَنظر. تَكتبُ في دَفتَرٍ صَغير: «أَنا هَنا، يا حَبيبي. أَنا — في كلِّ صَباحٍ — هُنا. أنتظرُ ما لا تَنتظرُه. أَو ما لا تَعرفُ أنَّكَ تَنتظرُه. لكن اعرفْ: التِّينةُ التي تأكلها — في حُلمي — أنا أَزرَعها.»

التِّينُ والذِّكرى

عَدَن — التِّينُ والذِّكرى

في إحدى أَيَّامِ الشِّتاء، يَطرقُ بابَها أَحَدٌ. لِأَوَّلِ مرَّةٍ مُنذُ سنين. تَفتَح. رَجلٌ. بَحَّار. بَدَتْ عَينَاه أَكبَرَ مِن حياتِه. اِسمُه — كأنَّ الاسمَ كانَ على شَفَتيها قَبلَ أن يَقولَه — عَصب.

يَقولُ: «وَصَلتُ.» تَقول: «أَعرف.» تَدعوهُ. يَدخل. بَيتٌ صَغيرٌ، هادئ، مُمتلِئٌ بالكُتب وَالتُّون البَنفسجيَّة وأَوراقِ الزَّعتر. تَصنعُ شاياً بِالنَّعناع وَاللَّيمون. عَصب يَفتحُ حَقيبَتَه. يُخرجُ مِنها رَسائلَ — كَثيرةً، عَشَراتٌ — مَطويَّة بِعِناية.

تَأخذها. تَجلِسُ. تَفتحُ واحدةً. تَقرَأ. لا تَتغيَّر مَلامحُها. لكنَّ عَيناً واحدةً تَدمعُ. تَفتحُ ثانيةً. ثم ثالثة. وَتَقرأ. كلُّها بِخَطِّ قَيس. كلُّها له. كلُّها — قالت — وَصَلتْ.

تَنظرُ إلى عَصب. تَقول: «شُكراً، يا عَصب. أَنتَ شُغلُك أَعظَم. حَملتَ الحُبَّ بَين العَوالم. ما كنتُ سأَعرف — لَولاك — إنَّه ما زالَ يَكتب.» اِبتسمَ عَصب. قال: «أَنا أَيضاً، يَا سَيِّدتي، ما كنتُ أَعرف. كلانا — أَخيراً — يَعرف.» التُّونكا في الفُنجانِ، والصَّندَلُ مِن الجِدار.

الرِّسالَةُ تَصِل

عَدَن — الرِّسالَةُ تَصِل

في تلكَ اللَّيلة، تَكتبُ ليلى رِسالةً. واحدةً فقط. تَختمها. تُعطيها لِعَصب. تَقول: «هذي ليه.» يَأخذها. يَضعها في حَقيبَتِه. يَخرُج. يَنزِلُ إلى مَركَبه. يَنطلقُ. ويَدخلُ — لا يَعرفُ كَيف — في عاصِفَة. تَختفي السَّفينَة.

في عالَمِنا، في الليلة نَفسها، يَستيقظ قَيس على نافذَتِه مَفتوحة. في الفِناء، أَمامَ بَيت ليلى — البَيت الخَشَبيّ القَديم — تَجدُ وَردةُ في الصَّباحِ رَسالَةً مَطويَّة. تَأخذها. لا تَفتَحها. تَضعها على شَجَرَةِ الياسمينة. تَهمسُ: «هذي وَصَلت. أخيراً.»

قَيس يأتي مَساءً، كَعادَتِه. يَرى الرَّسالة. يَأخُذها بِيَدٍ مُرتَجِفة. يَفتحها. يَقرَأ بِالشَّمعَة:

«قَيسي. لا تَخَف. أَنا — في مَكانٍ — حيَّة. هَنا تَفتحُ التِّينةُ كلَّ صَباح. أنا أَتركُ نِصفَها لك. في يَومٍ ما، في حُلمٍ، أَو في حَياةٍ ثانية، تَأكلُ النِّصفَ الآخر. اعرفْ — يا حَبيبي — أَنَّ في كلِّ مَوتةٍ، حَياةٌ موازية. أَنتَ ما فَقدتَني. أَنا مَعَك. في كلِّ ياسمينة، في كلِّ كُمَّثرَى ناقصة، في كلِّ كأسٍ مَكسورة فيها بارلين. ابتسمْ، يا حبيبي. أنا فِي عَدَن. وعَدَنُ، حيث هي، تَكفي. ليلى.»

همسة الرِّسالةُ التي وَصلَتْ — قَيسٌ، قبلَ أن يَموتَ بسَنواتٍ، حَملَها مَطويَّةً في جَيب صَدره، فَوقَ حَبَّةِ التُّونكا. ولم يَكسِرْها أَحدٌ مِن بَعدِه.
السابق
أطلس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.