وراء كل عطر قصة

جنة

جنة

التُّوتُ الكَبير

جنّة — التُّوتُ الكَبير

كانتْ حديقةُ الجَدَّة هي أَوَّلَ جَنّةٍ عَرفناها. ليلى وليث، أنا وأخوي، وفَيروز أحياناً. سَبعُ سنين، خَمسُ سنين، عَشرُ سنين. الفَراولةُ نَبتتْ هُناك بدون أن تَزرَعَها الجَدَّة. كأنَّها وَلَدَتْ نفسَها. التُّوتُ الأَحمَر، التُّوتُ الأَسوَد، والأَزرَقُ الذي يُلوِّن أَصابِعَنا.

كانتْ الجَدَّةُ تَفتحُ النّافذةَ في السّاعةِ السّادسة، وتَضعُ كَعكةَ فانيلّا تَبرُد. ليلى أوَّلُ مَن يَشُمُّها، فتركضُ. ليث وراءها. الكَعكةُ تَختفي قبلَ أن تَبرُد. تَضحكُ الجَدَّة وتقول: «بَطنُ الأطفالِ يَكفي حتى للنّار.»

لم نَكُن نَعرفُ معنى الموت. كنّا نَأكُلُ ونَركُض، ونَشُمُّ المسكَ من شَعر الجَدَّة، ولا نَفهَم لماذا تَبكي أحياناً وهي تَبتسم. سَألتُها مرَّة: «تِيتا، إنتي حَزينة؟» قالت: «لأ، يا حَبيبي. هَي الذِّكرى. الذِّكرى مَالَهاش وَجه.»

في يومٍ من تلك الأيّام، قالتْ ليلى لي وهي تَأكُلُ توتةً سَوداء: «لو الجَنَّة بهذي الحَلاوة، أنا مُوافقة.» قُلتُ لها: «الجَنَّة أَحلى.» قالتْ: «ما بَتعتقدش. ده أصلاً اسمُها جَنّة.» ضَحكنا. كنّا أطفالاً ولا نَعرفُ أنَّ أسماءَ الأماكنِ تَصدُق.


الجَدَّةُ والمسك

جنّة — الجَدَّةُ والمسك

الجَدَّةُ كانتْ تَلبسُ الأَسوَد. منذُ ماتَ زوجُها قبلَ أن نُولَد. تَحفظُ القرآنَ والمَواويلَ القَديمةَ، وتقولُ لنا حِكاياتٍ عن الجِنّ والشُّهداء. كنّا نَخاف، ونَعشَق أن نَخاف. الفَراولةُ في فَمِها، والمسكُ في ثَوبِها. هكذا أَتَذَكَّرُها.

كانتْ تقول لِليلى: «إنتي ست أَكثر مِنّي. أنتم البَنات الجدد، عَنيدات. ربّي يَفتحَ لكِ كلَّ بَوّابة.» تَضحكُ ليلى: «بَوّابة إيه، يا تيتا؟» تقولُ: «البَوّاباتُ بنَعرفها بَعدَ الوَقت. خَلِّيكِ صابرة.» ولم نَفهَم.

في الشِّتاءِ الذي رَحلتْ فيه، نَزلَ الثَّلجُ في المدينة. لم يَنزل قَبلَ ذلك ولا بَعدَه. كأنَّ السَّماءَ أرادتْ أن تُغطِّيَها بِشَيءٍ أبيَض، لأنَّها كانتْ تَلبسُ الأَسوَد طولَ حياتها. حَفَرنا في الثلج. أَنزَلناها. ليلى لم تَبكِ. ليث بَكى وحدَه في الليل.

بعدَ شَهر، عُدنا إلى الحديقة. الفَراولةُ ذَبَلتْ. التُّوتُ ذَبَل. كأنَّ النّباتَ كان مُتعلِّقاً بها. ليلى وَقَفتْ وَسطَ الحَديقة، ورَفعتْ يدَيها، وقالتْ بصَوتٍ غاضبٍ ضائع: «طَيّب، طَلَعنا أيتاماً وأنتي ماشية. شِدّينا، يا تيتا، شِدِّينا كَمان مَرة.» لم يَرُدَّ أحد.


البِنايةُ التي قامت



بَعدَ سنين، لم تَعُد الحَديقةُ موجودة. هَدَموها. أَقاموا مَكانَها بِنايةً بَيضاءَ ذاتَ سَبعِ طَوابق. كنتُ هُناك يومَ الهَدم. بَكيتُ سرّاً، رَجلاً في الثَّلاثين. ليلى — التي ما عَرفت هذا، لأنّها كانتْ قد رَحَلتْ — لم تَرَ الفأس.

لكنّي رأيتُها بعدَ ذلك في حُلم. كانتْ تَقفُ في الحَديقةِ نفسِها، حَسناً، كما كانت قبلَ البِناية. الفَراولةُ في يدها. المسكُ من ثَوبها. الفانيلّا تَفوحُ من نافذةٍ بَعيدة. قالتْ: «الحَديقةُ ما راحت. هَي اِنتقلت.»

سألتُها: «إلى أين؟» قالتْ: «هون.» وأَشارتْ إلى صَدري. ثم اختفتْ. اِستيقظتُ. قُمتُ. مَشيتُ إلى البِنايةِ البَيضاء. الشّارعُ كانَ نائماً. لم يَكُنْ أحدٌ يَنظرُ. وَضعتُ يَدي على الجِدار. أَقسِم — كانَ يَنبضُ. ولم أَفهَم.

ولم يَفهمْ أَحدٌ غيري. لكنَّ كلَّ مَن يَدخلُ تلكَ البناية، يَقول: «هَي بيتٌ غَريب. بِنفترض الحُزن. بَلكي تربى فيها فلَّاحة قبلنا.» تَضحَكونَ. أنا أَعرفُ. تَلكَ ليست بنايةً عاديّة. هي حديقةٌ مَدفونة، وفي قَلبها امرأةٌ تَلبسُ الأَسوَد، وحَفيدةٌ تَلبسُ الأَبيَض، وأطفالٌ يأكلونَ التُّوتَ الكَبير. إلى الأَبَد.

همسة البِنايةُ البَيضاءُ — يَزعُمُ بَعضُ السُّكَّان أنّهم يَسمعونَ صَوتَ امرأةٍ تَدعو في الفَجر. صوتُها يُشبهُ صوتَ فيروز.
السابق
وردة
التالي
هوس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.