وراء كل عطر قصة

هوس

هوس

 

 

 


العَسلُ على الجِدار

هَوَس — العَسلُ على الجِدار

كانَ يَكتبُ على الجِدارِ بالعَسل. أَتى بقَلَمٍ من خَشب، يَغمِسُه في إناءٍ صغير، ويَكتُب. أَوَّلُ كَلِمة: «لَيلى». ثُم: «لَيلى». ثُم: «لَيلى». مئاتٌ، آلاف. الجِدارُ صارَ كلُّه اسمَها. حتّى السَّقف. حتّى أَطرافُ السَّرير.

كانَ يَقولُ لي: «العَسلُ يَبقى. الكلامُ على الوَرَقِ يَطير. أَنا أكتبُ بِشَيءٍ يَعرفُ أن يَبقى.» الكَراميلُ من شَمعةٍ كانتْ تَحترقُ ساعاتٍ على الطَّاولة، يَخلطها أحياناً بالعَسل. الفانيلّا في أَصابعه — لم يَعُدْ يَغسلُها.

النّاسُ في الشّارعِ صاروا يَخافونه. الأَطفالُ يَنظرون إلى نافذتِه من بَعيدٍ، ويَهرُبون. وَردةُ بائعةُ الزّهور كانتْ تَأتي بالعَسلِ بنفسِها، تَتركهُ على العَتبة، ولا تَدُقّ. كانتْ تَفهَم. كانتْ هي وحدَها التي تَفهَم.

في إحدى الليالي، نَفِدَ العَسل. قامَ يَبحَث في كلِّ خِزانة، كلِّ دُرج، كلِّ علبة. لم يَجِد. جَلَسَ على الأَرض، وَسَطَ الكَتابة، وأَخذَ يَلعقُ ما يَخرُجُ من الجِدار. أَكلَ اسمَها. كأنَّه أرادَ، لِأَوَّلِ مرَّة، أن تَدخُلَ في جَسَدِه، لا أن تَبقى خارجاً.


السُّكَّرُ يَلتَهِم

هَوَس — السُّكَّرُ يَلتَهِم

ثَمانيةَ أَشهرٍ ولم يَأكُلْ شيئاً سوى السُّكَّر. حلوياتٍ، عَسَلاً، كَراميلَ، تَمراً، فانيلّا في كلِّ ما يَلمسُه. الطَّبيبُ — حينَ أَتى أخيراً — قالَ: «ستَموتُ خِلالَ شَهر.» ابتسمَ قيس: «ليلى أيضاً ماتتْ من الحَلاوة، يا دكتور. كانتْ حَلاوةُ هذي الدنيا أكبرَ منها.»

الطّبيبُ لم يَفهَم. الطّبيبُ لم يَكُن مِنّا. مَن لم يَعرف ليلى، لا يَفهَم ما كانَ يَفعلُه قَيس. وَردةُ كانتْ تَفهَم، لكنَّها لم تَتدَخَّل. قالتْ لي: «النّاسُ يَختارون مَوتَهم. هذا اختيارُه.»

في إحدى الأَمسيات، جاءه شَهاب. لِأوَّلِ مرَّةٍ يَتكلَّمان. وَقفَ شَهابُ في البَاب، نَظَرَ إلى الجِدار، نَظَرَ إلى قَيس، نَظَر إلى الجِدار مرَّةً ثانية. ثم قال: «أنا كَتبتُها بالحِبر. أنتَ كَتبتها بالعَسل. الفَرقُ بَيننا أنّكَ مَجنون. الفَرقُ بَيننا أنَّ هذا أَجمل.»

ابتسمَ قَيسٌ ابتسامةً صغيرة. لِأَوَّلِ مرَّةٍ منذُ شُهور. قالَ: «شَهاب، إنتَ أَخوي. كنتُ أَكرَهُك، لأنّي ظَنَنْتُ أنَّكَ تُحبُّها أَكثر منّي. الآنَ أَعرفُ أنَّ كلَّ مَن أَحَبَّها أَحبَّها كاملاً. لا حِصص. لا حِصص.»


العَسلُ يَنقَطع


الصَّباحُ الذي وَجدوهُ فيه، كانَ النّومُ قد أَخذَه. لم يَكُن مَيِّتاً، بل نائماً نَوماً عَميقاً، عَميقاً جدّاً. كأنَّ الحَلاوةَ قد بَلغتْ في دَمِه ذُروةً، ثم تَوقَّفتْ كلُّ السَّاعات.

لم يَكُن في وَجهِه ألَم. كانَ هُناكَ ابتسامةٌ صَغيرة، وعَسلٌ على الشَّفَتَين. وَردةُ، التي عَرفتْ كلَّ موتٍ في الحَيِّ قبلَه، عَرفتْ هذا أيضاً. وضَعتْ ثَلاثَ زهراتٍ على بابِه، كما فَعلتْ يومَ ماتتْ ليلى.

في الليلةِ نَفسِها، فاحَ من البَيتِ الخَشبيِّ القَديم — بَيتِ ليلى — ريحُ عَسَلٍ وكَراميلَ. ولم يَكُن في البَيتِ أحد. كأنَّ الجِدارَ هناكَ تَذَكَّر. أو كأنَّ ليلى — أينما هي — قَرَأَتْ أَخيراً ما كَتَبَه عليها.

ولم يَكتب أحدٌ بالعَسلِ بَعدَه. بَعضُ الجُيرانِ ادَّعَوا أَنَّهم رَأَوا نَملةً سَوداء، كَبيرة، تَدخلُ من تحتِ بابِ بَيتِه، وتَخرُجُ بَعدَ ساعةٍ حاملةً قَطرةً صَغيرة، كأنَّها هي أيضاً تُريدُ أن تَأخُذَ شَيئاً منها.

همسة العَسَلُ الذي كانَ يَكتبُ به، يقولونَ إنَّ غَيثَ الذي نَزلَ صَباحَ مَوته، حَملَ منه شَيئاً إلى البَحر. وأنَّ سُمكاً صَغيراً هُناكَ صار يَفهَم العَربيّة.
السابق
جنة
التالي
نبيذ أحمر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.