الفصل الأوّل
جَوزُ الهِندِ في الكأسَين
في تلكَ اللَّيلة، صَنَعَتْ ليلى لِقَيسٍ شاياً غَريباً. أَخذَتْ جَوزَ الهِندِ المَجفَّفَ مِن المَطبخ، أَحرَقَتْه قَليلاً على النّار، ثم غَلَتْه مع الفانيلّا. كأنَّها كانتْ تَصنَعُ شَيئاً يَستدعي البَحرَ إلى السَّطح.
كانَ القَمرُ مَشغوراً. كانَ السَّطحُ هادئاً. الإيريسُ المَفتوحة. البِناءاتُ في الأَسفل ساكنة. الكأسانِ على المَنضَدَة. صَبَّت في كأسٍ، ثم في كأس. قالَتْ: «هذا الوَعدُ بيننا، يا قَيس.» قالَ: «ايش الوَعد؟»
قالتْ: «إنَّنا ما نَترُكُ بَعضنا. ولا حَتى المَوتُ يَفرِّقنا.» ضَحِكَ قَيس بِخَفَّة، كأنَّ الكَلامَ ثَقيلٌ على لَيلةٍ كَهَذي. قالَ: «أَنا بَوعِدِك، يا حَبيبتي.» شَرِبا. الجَوزُ على الشَّفَتَين، والمسكُ في الهَواء.
تَعَلَّقَتْ بِكَتفه. هَمَستْ: «وَعدِنّي إنَّك ما تَموت قَبلي.» قالَ بصَوتٍ مَرِح: «يَا حَبيبَتي، هذا ليس مِن يَدي.» قالَتْ، وعَيناها مُغمَضَتان: «وَعدِني، وأَنا بَتدبَّر.» قالَ: «طَيِّب. وَعَدتُكِ.» ضَحِكا. كانَ الوَعدُ هَزَلاً. لم يَعرفا — لم يَعرفْ — أنَّها كانَتْ تَتكَلَّمُ عن شَيءٍ تَعرفُه.
الفصل الثاني
المسكُ في الوَسادة
في تلكَ الليلة، نَامَ قَيس على السَّطح. ليلى لم تَنَم. ظَلَّتْ تَنظرُ إليه. شَعرُه طَويلٌ على الوِسادَة. الفانيلّا التي كانَتْ تَضعُها وراءَ أُذنِها فاحتْ على وسادتِه. المسكُ على رُسغِها انتقلَ إلى كَتفه.
هَمَستْ، ولم تَعرفْ إن كانَ يَسمَعها: «يا قَيس، أَنا بَعرف. الجَسدُ بَيقولّي. القَلبُ بَيقولّي. مَعدِتي بَتقولّي. أَنا رايحة، يا قَيس. بسرعة.» لم يَستيقظ. كانَ نَفَسُه هادئاً.
قَطفَتْ ياسمينةً مِن الإيناءِ بِجانبِها. وَضَعَتها على وَسادَتِه. قالتْ: «هذا حَتى ما تَفقدني نِهائيّاً. الياسمينُ هَو الباقي. هذا وَعْدي ليك.» ثم قامَتْ. ودَخَلَتِ البَيت. وأَغلَقَتْ بَابَ السَّطح.
في الصّباح، اِستَيقَظَ قَيس على السَّطحِ وَحدَه. لم يَجدْها. وَجَدَ الياسمينةَ على وِسادَتِه. شَمَّها. لم يَفهَم. نَزل. لم تَكُن في البَيت. كانَتْ في الشّارع، تَشتَري بَرغموتاً مِن العَطّار. ضَحِكتْ. قالتْ: «صَباحُ الخَير، حَبيبي.» كانَ كلُّ شَيءٍ عَاديّاً. كأنَّ اللَّيلةَ السَّابقةَ لم تَكُنْ. كأنَّ الوَعد — هي قَطَعَتْه أَوَّلاً بِأَن نَسيَتْه.
الفصل الثالث
الكأسُ على السَّطح

بعدَ مَوتها، صَعِدَ قَيس إلى السَّطح. الكأسُ التي شَرِبَتْ مِنها — كانَتْ ما زالَتْ نِصفَ مُمتَلِئة. جَوزُ الهِنَدِ في القاع، فانيلّا. لم يَلمَسها أَحد. حَتى المَطَر — في الأَيَّامِ الثَّلاثة — لم يَنزِل عليها. كأنَّ السَّطحَ احتَفَظَ بها لِيُذَكِّره.
جَلَسَ على الكُرسيِّ نَفسِه الذي جَلَسَتْ عليه. أَخذَ الكأسَ. شَرِبَ النِّصفَ المُتَبقّي. كانَ الشَّاي بارداً، ولكنَّه كانَ — بِشَكلٍ ما — حَلواً أَكثرَ مِن وَقتِه. كأنَّ الجَوزَ والفانيلّا اختَمَرا في اللَّيالي.
هَمَسَ: «ليلى، أَنتي قَطَعتِ الوَعدَ أَوَّلاً. أَنا بَوعِدِك إنّي أُكَمِّلُه. ما رايح أَموت بدونك. بَستَّناكِ، يا حَبيبتي. بَستَّناكِ في كلِّ ليلة.» شَرِبَ آخرَ قَطرة. وَضعَ الكأسَ.
كَسَرَ مرَّةً وَعدَه — أَن يَموتَ بَعدَها. لكنَّه عَوَّضَه بِوَعدٍ آخر: أَن يَنتَظِرَها كلَّ ليلةٍ على السَّطح. ولم يَكسِرْ هذا. حتى مَوتِه. ثَلاثونَ سَنةً مِن الانتِظار، كلَّ ليلةٍ، نَفسَ السَّطح، نَفسَ الكُرسي، نَفسَ كأسِ الجَوز. وفي إحدى اللَّيالي، قالوا، رَأَتْه عَجوزةٌ تَعيشُ في البَيتِ المُقابلِ يَبتَسِم. ابتسامةً صَغيرة. كأنَّها أَخيراً جاءَتْ.