الفصل الأوّل
النَّعناعُ في يَدَي قَيس
في صَباحِ الجَنازة، وَضَعَ قَيس في جَيبِه أَوراقَ نَعناع. لم يَعرف لماذا. ليلى كانتْ تَكرَهُ النَّعناع. كانتْ تقولُ: «النَّعناعُ بارد. أَنا بَخاف مِنه.» ربّما لِهذا وَضَعَه — كأنَّه يَحملُ شَيئاً منها وَإِن كانَ شَيئاً تَكرهُه. كأنَّ كلَّ ما خَصَّها مَهما كان، صارَ ثَميناً.
كانَ الصَّيفُ في ذِروَتِه. لا غَيمةَ في السَّماء. مَشَى المُشيِّعون إلى المَقبَرة. اللافنديرُ كانَ على القَبر بمقاديرَ كَبيرة — وَردةُ بائعةُ الزُّهور أَتَتْ بِأَكوامٍ منه. قالَتْ: «اللافنديرُ يَعرفُ أَن يَكونَ هادئاً مَعَ الذي رَحَل.»
فارس، أَبوها، كانَ في المُقَدِّمَة. ضابطٌ كانَ يَوماً صَلْباً، صارَ كأنَّ العَظمَ فيه قد فَقَدَ قساوتَه. قَيس خَلفَه. شَهابٌ خَلفَ قَيس. ثم أَهلُ الحَيِّ. ثم وَردة. ثم النّاسُ الذين لم نَعرفْهم — نَفَرٌ مِن غُرَباءَ كانوا قَد سَمِعوا، كَفلَّاحَةٍ في حَقلٍ تَسمعُ نَفيرَ مَوتٍ ولا تَدري لِمَن.
وَضَعوها في القَبر. غَطُّوها. الفانيلّا التي كانتْ في فُستانها — حَتى تَحتَ التُّراب — فاحَتْ. كأنَّ الفانيلّا قالتْ: «أَنا لن أَتركَكِ.» قَيسٌ خَرَجَ مِن الجَنازة. لم يَعدْ إلى البَيت. مَشى. في يَدِه أوراقُ نَعناعٍ مُتَكَوِّمة. سَحَقَها كلَّها.
الفصل الثاني
العَسلُ وَالتَّبغ
كانَ هُناك عَجوزٌ في المَقبَرة. اِسمُه أَبو حُسن. كانَ نَحَّالاً قَبلَ أن يَعمى. الآن يَعتنيهِ أَولادُه. لكنَّه أَصرَّ أن يَأتي. قالَ: «أنا أَعطيتُ أُمَّ ليلى أَوَّلَ بَرطمانِ عَسَلٍ في حَياتِها. لا أَستطيعُ أن أَترُكَ ابنَتَها بدونَ وَداع.»
كانَ معه كيسٌ صَغيرٌ مِن العَسَل. وَضَعَه على القَبر. وَوَضَعَ بِجوارِه كيسَ تَبغٍ صَغير. قالَ: «العَسَلُ لَكِ، يا بُنيَّتي. والتَّبغُ لِأَبيكِ. هَو سَيحتاجُه.» لم يَعرف أَحدٌ كيفَ كانَ أَبو حُسن يَعرفُ بهذي الدِّقَّة. كأنَّ العَمى أَعطاهُ بَصراً آخر.
ابتسمتْ وَردة بصَمت. كأنَّها كانتْ تَعرفُ أَبا حُسن مِن قَبل. ربّما كانا — هما الاثنانِ — مِن جِنسٍ واحدٍ مِن النّاس. مِن النّاسِ الذين يَرَونَ ما يَفوتُ غَيرَهم.
في تلكَ اللَّحظة، تَكَوَّنتْ سَحابةٌ صَغيرة. واحدة. ثم اثنتان. ثم سَمَاءٌ كاملةٌ مِن الغَيم. الجَميعُ نَظَرَ إلى الأَعلى مُذهولاً. لم يَنزِلْ مَطَرٌ على هذي المدينةِ في يَوليو مِنذُ ثَلاثينَ سَنة. نَزَلَتْ أَوَّلُ قَطرة. ثم الثّانية. ثم انفَتَحَ كلُّ شَيء.
الفصل الثالث
المَطَرُ يَبدأ

ثَلاثَةُ أَيَّامٍ مِن المَطَر. لم يَنقَطعْ. الفانيلّا في الشّوارع، تَختلطُ بِالماء. حُلواتٌ كانتْ مَوضوعةً في الواجهات، تَذوبُ وتَفوحُ. حبَّاتُ التّونكا في عَربةِ بائعٍ خَرجتْ تحتَ التَّيّار، اِستَنشَقَتْها المياه.
قَيس بَقي في البَيت. لم يَخرجْ. كانَ يَنظرُ إلى المَطَرِ مِن النّافِذة ويَقولُ: «هذا هَو. هذا بُكاؤها. ما عَرَفَتْ تَبكي وهي حَيَّة، فبَكتْ بَعدَ ما ماتت.» كانَ يَتكلَّمُ بهدوءٍ غَريب. كأنَّ المَطَر كانَ يَعرفُ أَن يَأخذَ مِنه قَليلاً مِن وَجعِه.
في الليلةِ الثّانية، سَمعَ أُغنيةً. الرّاديو في القَهوةِ المُجاوِرة كانَ مَفتوحاً. صَوتُ امرأة. فَيروز: «نَطَرونا كَتير، نَطَرونا نَطَرونا.» سَمِعَها. اِنحَنى. بَكى. لِأَوَّلِ مرَّةٍ مُنذُ الجَنازة. بَكى كَأَنَّه طِفلٌ في الخامسة.
في صَباحِ اليَومِ الرّابع، تَوقَّفَ المَطَر. النّاسُ خَرجوا. الياسمينةُ في شَجَرَةِ بَيتِ ليلى — التي كانتْ كادتْ تَموت — ازدَهَرَتْ فَجأة. كأنَّها كانَتْ تَنتظرُ المَطَرَ لِتَعود. الأَيَّامُ الثَّلاثة، في كلِّ بَيتٍ في المدينة، صارتْ ذِكرى. صارتْ مَيقاتاً. النَّاسُ يَقولون: «بَعدَ مَطَرِ ليلى…» — كأنَّ المَطَرَ صارَ تَقويماً جَديداً.