وراء كل عطر قصة

فيروز

فيروز

 

 

 


المُثلَّجاتُ على الميناء

فيروز — المُثلَّجاتُ على الميناء

كانَ هناك بائعُ مُثلَّجاتٍ في طَرَفِ الميناء، عَربتُه صَفراءُ، وفيها فَراولةٌ حَمراءُ كأنَّها سُكَّرٌ مُذابٌ في الشَّمس. ليلى وفَيروز — صَديقتان منذُ السّادسة. صيفُ ١٩٤٠، الشَّمسُ تَسحَلُ الجِلد. ليمونٌ كانَ يَتدفَّقُ من سَلَّةٍ جانبيّة، ومارشميلو في وعاءٍ يَلمَع.

كانتا تأكلانِ مُثلَّجَ الفَراولة في وقتٍ واحد، وتُطلِقانِ ضَحكتَهما في وقتٍ واحد. الفَيروزُ — فعلاً اسمُها فَيروز — كانتْ ذاتَ صوتٍ غريب. حتّى وهي تَضحك، في الضَّحكةِ نَغَمٌ خافت. كأنَّها وُلِدَتْ تَعرفُ المَوسيقى قبلَ الكلام.

تَحطُّ ليلى رأسَها على كَتفِها وتقول: «غَنِّي.» فتُغنِّي. أُغنيةٌ بسيطةٌ من بِلادٍ شَماليّة، عن بَيتٍ مُطِلٍّ على الجَبل. ليلى تُغمِضُ عَينَيها. الكَريمةُ تَقطُرُ على يدها، فلا تَلحَظ. الفانيلّا تَفوحُ من العَربة. كلُّ شيءٍ في تلكَ اللَّحظةِ — نَقاءٌ. ولا أحد يَدري أنَّ هذا النَّقاءَ سيُكلِّفُه ثَمناً.

قالتْ فَيروز ذاتَ مرّة، وهما تَركضان عائدتَين إلى البَيت: «ليلى، لو متُّ، وعدتِكِ أن أَبقى صوتاً.» ضَحكتْ ليلى: «إنتي بتَزعَلي حتى من الكلامِ ده.» ضحكتْ فيروز: «أنا بَجَدّ.» وكانتْ بَجَدّ.


السِّباحةُ التي طالت

فيروز — السِّباحةُ التي طالت

بَعدَ سَبعِ سنوات، عَدنا إلى الميناءِ نفسِه. صرنا في السّابعةَ عشرة. الميناءُ نَفسُه، وعَربةُ المُثلَّجاتِ نَفسُها، لكنَّ بائعَ المُثلَّجاتِ هَرِم. الفَراولةُ في يدِه ليستْ كما كانتْ. كأنَّ الفَراولةَ هَرِمَتْ معه.

قالتْ فَيروز: «نُسبَح؟» قالتْ ليلى: «لا، البحرُ هائج.» قالتْ: «هائجٌ بس حُلو.» ودَخلتِ الماءَ قبلَ أن تَنتظرَ الجواب. كانتْ كثيراً ما تَفعلُ ذلك. ليلى تَبعتْها. سَبَحتا. ضَحكتا. الكَريمةُ ما عادتْ علَيهما، بل المِلحُ. والمِلحُ في تلك الليلةِ كانَ ثَقيلاً.

ابتعدتْ فَيروز كثيراً. ليلى نادتْ: «اِرجِعي!» التَفتَتْ. ابتسمَتْ. ابتسامةٌ غريبة، فيها قَبولٌ ما، لا تَفسيرَ له. ثم اختفَتْ تحتَ الموجة. ظنَّتْ ليلى أنّها تَلعَب. ظَلَّتْ ليلى تَرى المارشميلو الذي كانتْ فيروز تَأكلُه قبلَ السباحةِ — كأنَّه الصُّورةُ الأخيرة.

بَحَثوا عنها يومَين. لم يَجِدوها. الفَراولةُ في عَربةِ البائع نَفسِها صارتْ مَريرةً. الفانيلّا التي كانتْ تَفوحُ تركتِ الميناء. كأنَّ الميناءَ نَسيَ نفسَه. ليلى، بعدها، صارتْ صامتةً أكثر. تُحدِّثُ نفسَها أحياناً. يقولونَ إنّها تُحدِّثُ فَيروز.


الأُغنيةُ التي لا تَموت

بَعدَ ذلك، صارتْ ليلى تَسمعُها. لا في حُلم — في يَقظَة. في الرّيحِ التي تَدخُلُ من النّافذة. في تَيّارٍ قُربَ بائع البَرغموت. في صوتِ الجَدّةِ وهي تَدعو على نفسِها. صوتُ فَيروز يَأتي ويَذهَب. تقولُ ليلى لِمَن سألَها: «هي وَعدَتني. ولم تَكذِب.»

في كلِّ مرّةٍ تَسمعُها، تَهمسُ ليلى: «وحدُن بيبقَوا متلَ زهر البَيلسان…» فتُكمِلُ فَيروز من بَعيد: «وحدُن بيبقَوا، ووحدُن بيبقَوا.» وتَختفي. كأنَّهما صَنَعتا أُغنيتَهُما الخاصَّة بِالاعتراف بأنَّ الجَميعَ يَبقى، في النّهاية، وَحدَه.

بَعدَ سنين، وُلِدَتْ في «بِلادٍ شَماليّة» مُغَنِّيةٌ صَغيرة. حينَ كَبُرَتْ، صارَ صَوتُها مَعروفاً في كلِّ بُيوتِ العَرب. اسمُها فَيروز. يقولُ بَعضُ النّاسِ إنَّ صَوتَها فيه أصواتُ كلِّ من ماتُوا قَبلَ أن يُغَنّوا.

ليلى — قبلَ أن تَموتَ هي أيضاً — كانتْ تُصغي إلى الرّاديو حينَ تَأتي فَيروز. تَبتسم. تَهمس: «وَفَيتِ، يا قَلبي.» ولا أحدَ يَفهَم. ثم في صَباحٍ بارد، ماتتْ ليلى أيضاً. وقالَ النّاسُ إنَّ في الرِّيحِ الآن صَوتَين.

همسة الأُغنيةُ التي تُغنّيها فيروزُ في الرّيح، يَسمعُها كلُّ شَخصٍ في هذا الكِتاب. حتّى مَن لم يَلتقِها يَوماً.
السابق
ليث
التالي
وردة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.