وراء كل عطر قصة

ليث

ليث

 

 

 


السكِّينُ في الجَيب

ليث — السكِّينُ في الجَيب

ليث ابنُ السّابعة عشرة. أصغرُ من ليلى بثلاث. وأكبرُ من العالمِ كلِّه. أُختُه ماتت، فلم يَعُد البيتُ بيتاً. كانَ يَجلسُ على السَّطح، ويُدخِّنُ في خَفاء، ويَحلمُ بأن يكونَ بَعيداً جدّاً جدّاً. الفُلفُلُ الورديُّ من سوقِ التّوابل في الأسفل كانَ يَصعدُ مع الدُّخان، فيَختلطان.

في جَيبِه سكّينٌ صغيرة، وحَبّاتُ عَرعرٍ من شَجرةٍ كانتْ تَزرعُها جَدَّتُه. كانتْ تُعلِّمُه: «العَرعرُ يَطرُدُ الجِنّ.» يَضحكُ ليث: «أنا لا أَخافُ الجِنّ، يا جَدّتي. أَخافُ النّاس.» الآنَ، وقد ماتَتْ ليلى، صار يَخافُ الاثنين.

آخرَ ليلةٍ في البيت، نَزلَ إلى المَطبخ. أَخذَ صَفيحةَ توفي قَديمة، صَنعتْها أُمُّه قبلَ أعوام. خَلطها بالقِرفة. وضعَها في كيسٍ. كأنَّ الحُلوى زادُ السَّفَر. كأنَّ المرَّ هذه المرّةَ ينبغي أن يَحملَ شيئاً حُلواً معه.

كَتبَ على ورقةٍ صغيرة: «لا تَبحثوا عنّي. لقد بَحثتُ كثيراً، ولم أَجد. الآنَ دَورُكم في الانتظار.» وَضعَها على وسادتِه. أَخذَ السكّين، والعَرعَر، والتُّوفي، وقَميصاً وَضعتْ فيه أُمُّه كيسَ لافندر. ونزَل.


حلوى مخلوطةٌ بالقِرفة

ليث — حلوى مخلوطةٌ بالقِرفة

خرجَ من المدينةِ قبلَ الفَجر. الفانيلّا في الجَوّ — رائحةُ خبزٍ من فُرنٍ بدأَ يَفتح. ابتسمَ ليث ابتسامةً صغيرة. هذه آخرُ ابتسامةٍ سيَبتسمُها لمدينة. ثم سار. وسار. وسار. حتّى صارَ السَّفلتُ تراباً، والترابُ رِمالاً.

في اليومِ الأوّل، أكلَ التّوفي وذكرَ أُمَّه. في الثاني، مَضغَ حبَّةَ عَرعرٍ وذكرَ جَدَّتَه. في الثالث، نظرَ إلى السكِّينِ في يده، وذكرَ ليلى. قال: «لو كنتِ هنا، لقُلتِ لي: ارجِع.» ثم قالَ بصوتٍ أعلى: «لكنّكِ لستِ هنا. ولن أَرجِع.» وكانَ الجوابُ هو الرّيح.

في الليلةِ الرّابعة، رأى ضَوءاً بعيداً وسطَ الكَثيب. مَشى نحوَه. كانتْ قافلةً صغيرة. رِجالٌ يَجلسون حولَ نار، يَحتسونَ شاياً بحبّاتِ التّونكا. أَشار أحدُهم إليه: «تعالَ، يا غريب. تَعالَ، فمن دخلَ هذه الصّحراءَ، لا يَخرجُ منها إلّا إلى صَحراءٍ أُخرى.»

جَلَس. شَربَ. أَكلَ توفياً قَدَّمَه له شيخٌ بِلِحيةٍ بيضاء. قالَ الشَّيخ: «من أين أنت؟» قالَ ليث: «من بَيتٍ لم يَعُد بيتاً.» ابتسمَ الشَّيخُ: «إذاً أنتَ أَهلُنا.» شَعرَ ليث، لأوّلِ مرّةٍ منذُ شُهور، أنّه ليس وحده.


ما وراءَ الكَثيب


مَشى مع القافلةِ سَبعاً وعشرينَ ليلة. لم يَعرف إلى أين. كانَ الشَّيخُ يقول: «ليس المُهمُّ أن نَصِل، بل ألّا نَتوقَّف.» في الليلةِ الثامنةِ والعشرين، ظهرتْ مدينةٌ في الأُفُق. أبراجٌ، ونَخيل، وأبوابٌ مفتوحة، ووَجدَ ليث نفسَه يَبكي دونَ أن يَعرفَ السَّبب.

اقتربَ من البوّابة. الفانيلّا فاحَتْ. اللافندرُ — اللافندر! — تسلَّلَ من ثَوبِ امرأةٍ كانتْ تَخرجُ بسلَّة. التفتَتْ إليه. قالتْ: «وَصلتَ، أخيراً.» قال: «من أنتِ؟» قالتْ: «أنا أنتظرُك منذُ زمن.» نظرَ في وَجهِها. كانتْ تُشبهُ أحداً يَعرفه، ولا يَتذكَّر مَن.

في تلكَ الليلة، أَخرجَ من جَيبِه آخرَ قطعةِ توفي. قَسَمها نِصفينَ. وقدَّمَ نِصفاً للمرأة. أكَلتْ، وضحكتْ، وقالتْ: «هذا طَعمُ بيتٍ نَسيتُه.» قال: «وأنا.» شَربا الشّاي بِالتُّونكا. حَدَّثَها عن أُختٍ ماتت. حَدَّثتْه عن بيتٍ تَركتْه. كأنَّهما يَتحدَّثانِ عن الأشياءِ نَفسِها.

لم يَخرُج ليث من تلكَ المدينة. ولم يُرسِلْ إلى أهله. وقالوا في «مدينة الذكرى» إنَّ الصَّحراء ابتلعتْه. لكنَّ المدينةَ التي دَخلَها — يُقالُ إنَّ اسمَها «اطلس»، وأنَّ الزَّمنَ فيها لا يَجري. إذا صَحَّ هذا، فلِيث الآنَ في السّابعةَ عشرة، يَأكلُ التّوفي، ويَسمعُ أُختَه تَضحَك.

همسة المرأةُ التي فَتَحَتْ له البوّابة كانتْ في يَدِها بَتلَةُ ياسمينٍ، طازجةٌ كأنَّها قُطِفَتْ صباحَ ذلك اليوم — في «شارع الياسمين».
السابق
فارس
التالي
فيروز

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.