الفصل الأوّل
التَّمرُ على الطَّبَق
قبلَ الكونياكِ بِخَمسِ دَقائق، كانَ على الطَّاولةِ كأسٌ صَغيرةٌ مَلكٌ لِليلى وَحدَها. ليستْ من الكُؤوسِ التي تَنتظرُ الزُّوّار. كانتْ من البَيتِ، من خِزانةِ الجَدّة. كأسٌ ذاتُ حَوافَّ ذَهَبيّة، ذَهَبيّةٌ مع الزَّمن، فيها قِرفَتانِ، وبَلَحَتانِ، وبَرغموتٌ مَبشور.
كانتْ هذي وَصفةُ الجَدَّة. تَعَلَّمَتها ليلى منها. كأسُ ضِيافةٍ خاصّةٍ، مَوزونةٌ للحَدَث: نَوعُ الزَّواج، نَوعُ المَوسم. القِرفةُ للدِّفء، والبَلَحُ للحَلاوة، والبَرغموتُ لكي «يَعرفَ المَوضعُ أنّكِ ها هنا».
صَنَعتْ ليلى الكأسَ بِنَفسها قبلَ أن يَلبسَها أَحدٌ فُستانَ العُرس. وَضَعَتْ — خِفيةً — حبَّةً من البارلين تحتَ القِرفة. حبَّةً واحدةً، لا أحدَ يَعرفُ بها. هَمَستْ للكأس: «هذا لي. الذي ما يَعرَفُه أحد، حُلوٌ أَكثَر.»
وَضَعَتها على طَرَفِ المائدة. ما لَمَسَتها بَعدَ ذلك. تَزوَّجَتْ — أَوَّلَ خمسِ دقائقَ من العُرس — ولم تَلمسْها. كأنَّها كانَتْ تَنتظرُ. كأنَّها تَنتظرُ أَنّ — بَعدَ كلِّ هذي السنينِ — تَنتظرُ شَيئاً واحداً يَفوحُ بطَعمٍ خاصٍّ بها.
الفصل الثاني
الكأسُ تَسقُط
فقَط الكأسُ الكَبيرةُ التي رَفعَها الجَدُّ هي التي سَقَطَتْ. أَمّا كأسُها الصَّغيرة، كانَتْ ما زالَتْ على المائدة. ليلى — قبلَ أن تَسقُط هي — التَفَتَتْ إليها. مدَّتْ إصبَعَها. لَمسَتْها. لمَسةً صَغيرة. كأنَّها وَدَّعتها.
البارلين تحتَ القِرفة، لم يَأكلْه أَحد. التَّمرُ في الصَّحن، لم يأكُلْه أَحد. الفانيلّا في الكَيكَة، لم تُقَطَّع. كأنَّ كلَّ شَيءٍ كانَ — في تلكَ اللَّحظة — يَنتظرُها أن تَعودَ. لكنَّها ما عادتْ. سَقَطَتْ هي، والمائدةُ ظلَّتْ.
النّاسُ بَعدَها، تَفرَّقوا، فاختَلَطَتِ الكأسُ الصَّغيرةُ بَين الفَوضى. وَردَةُ، التي عَرَفَتْ كلَّ شَيءٍ قَبلَ غَيرها، رَفَعتها بِنفسِها. وَضَعتها في حَقيبَتِها. لم تَقُل لِأَحَد. كأنَّ شَيئاً منها يقولُ: «هذي ليلى. خُذيها قَبلَ أن يأخذها التُّراب.»
حَملتْ الكأسَ إلى عَربتِها. وَضعَتْها في صُندوقٍ خَشبيٍّ تحتَ كُرسيِّها. ولم تَفتَح الصُّندوقَ ثَلاثينَ سنة. حتى ماتَتْ هي أيضاً، فلم يَفتحْه أحد. ولا أَحَدُ يَعرفُ، الآن، أَيُّ كأسٍ على وَجهِ الأَرضِ تَحفظُ وَصفةَ امرأةٍ ماتتْ في فُستانِها الأَبيَض.
الفصل الثالث
الفانيلّا تَبقى

بَعدَ مَوتِ وَردة، فُتحَ الصُّندوق. وَجدوا الكأسَ. كانتْ ما زالتْ تَحمِل بَقِيَّةً من القِرفة. التَّمرُ في القاع لم يَتعفَّن. كأنَّ الزَّمَنَ نَسيَ هذي الكأس. أو كأنَّها لم تَعرف الزَّمن.
كأنَّ ليلى — في عالمٍ ما — ما زالتْ تَنتظرُ أن تَشربَها. كأنَّ الكأسَ ما زالتْ نَفسُها، حَيَّة، تَتنفَّس، فيها بَلَحٌ يَتذَكَّرُ، وقِرفةٌ تَدفَأُ في غِيابِها.
حينَ شَمَّ النّاسُ ما في الكأس، شَمّوا فانيلّا قَويّة، وتُونكا، وبارلين، وحبَّةً صَغيرةً سَوداءَ في القاع. لم يَعرف أَحدٌ ما هي. لم يَكونوا يَعرفون عن البارلين السرِّيّ الذي وَضَعَتْه ليلى. حبَّةٌ واحدةٌ، ظَلَّتْ سرَّاً ثلاثينَ سنة.
حَفظوا الكأسَ في مَتحَفٍ صَغيرٍ في البَلديّة. مَكتوبٌ تحتَها: «كأسُ امرأةٍ مَجهولة، عائدة إلى أَوائل القَرن.» قَيسٌ — قبلَ أن يَموتَ بأُسبوع — مَرَّ بالمتحف. وَقَفَ أَمامَها. ابتسمَ. هَمَس: «أَنا أَعرفُكِ.» ثم خَرَج. لم يَلتفتْ. الكأسُ، خَلفَ الزُّجاج، كانَتْ — لَحظةً واحدةً، أُقسِمُ — تَلمَع.