وراء كل عطر قصة

قمر

قمر

 

 

 


الأَناناسُ في اللَّيل

قَمَر — الأَناناسُ في اللَّيل

كانَ السَّطحُ مَملكَتَها الأَخيرة. كلَّ ليلةٍ تَصعَد، حافيةً، وفي يدها صَحنٌ صَغيرٌ من الأَناناسِ المُقطَّع. أَناناسٌ في مَدينةٍ على البَحر — شَيءٌ غَريبٌ، نَدير. كانَ عَصبٌ البَحَّار يَأتي به من السَّفَر، يَترُكُه للبَيت كَهَدِيّة، دونَ أن يَدخُل.

كانَ السَّطحُ مُزَيَّناً بِنَباتاتٍ صَغيرة. الإيريس — زَهَرةٌ بَنفسجيّةٌ حَزينة — كانتْ في أَصايصَ بِجوار الجِدار. كانتْ ليلى تَقولُ: «الإيريسُ تَفتحُ ليلاً. كأنَّها تَكرَهُ الشَّمس.» تُلامِسُ بَتلاتِها وتَهمس لها بأَشياء.

الفُلفلُ من المَطبَخ في الأَسفل، يَصعَد. شَعَرَتْ مرَّةً به في أَنفِها، فضحكَتْ: «أُمّي تَطبخُ. أُمِّي حَيَّة.» التَفَتَتْ كأنَّ أُمَّها — التي ماتَتْ منذُ عَشرِ سنين — على وَشَك أن تَصعَدَ إليها لِتَقولَ لها: «انزِلي، الأَكلُ على المائدة.»

تَنامُ السَّطح. تَنامُ على أَعلى السَّطح. تُحدِّقُ في القَمر. تَهمسُ للقَمَر. تَتعَلَّمُ منه أن تَكونَ هادئةً ومُستديرةً وحَزينةً في وَقتٍ واحد. القَمرُ كانَ صَديقَها الذي لم يَكذِب.


المسكُ والعَنبر

قَمَر — المسكُ والعَنبر

جَدَّتُها قبلَ مَوتِها أَهدَتها قِلادةَ عَنبَر. قِطعةً صَغيرةً من العَنبَرِ الأَصفرِ النّادر. قالتْ لها: «الأَنبَرُ يَخرُجُ من جَوفِ الحوت. الحوتُ يَأكلُ ولا يَهضم. بَعدَ سَنواتٍ، يَتقيَّأُ شَيئاً عَنبَرياً. ذلكَ هو القَلب — مَا أَكَلَه ولم يَهضِمه.»

كانتْ تَلبَسُ القِلادةَ كلَّ ليلةِ سَطح. تَفركُ المسكَ على رُسغِها قبلَ أن تَخرُج. تَفعلُ هذي الطَّقوسَ كأنَّها كاهنة. السَّطحُ مَعبَدٌ، والقَمرُ إله، والمسكُ ملاك.

في إحدى لَيالي ذلك الصَّيف، صعَدَ قَيس مَعها. لِأَوَّلِ مرَّة. كانوا خَطيبَين، لكنَّها كانتْ صارمةً في أن السَّطحَ ليلتُها. تَلكَ الليلةَ اِستثناءً، قالتْ: «اصعَدْ.» صَعد. تَجَلَّسا. أكَلا الأَناناسَ من صَحنٍ واحد. لم يَتكَلَّما.

حينَ أَوشَكَ على النُّزول، قالَ: «ليلى، خَلِّيني أحبَّك.» قالتْ: «إنتَ بِتحبَّني، يا قَيس.» قالَ: «خَلّيني أكْثَر.» قالتْ، بصَوتٍ خَفيف: «حُبُّك خَلَصني، يا قَيس. ما تِزَوِّدْ.» لم يَفهَم وقتها. الآنَ يَفهَم. كأنَّها كانَتْ تَحفظُه من ألَمٍ سَيأتي.


القَمَرُ يَبقى


بَعدَ مَوتِها، صَعدَ قَيس إلى السَّطح. كانتِ الإيريسُ مَفتوحة. الأَناناسُ ما زالَ صَحنُه مَوضوعاً. القَمرُ كَسابِق العَهد. كأنَّ السَّطحَ لم يَعرف بَعد. كأنَّ السَّطحَ حاولَ أن يَتظاهرَ.

جَلَسَ في مَكانِها. أكَلَ قِطعةَ أَناناس. لم تَكُن نَنفسَ الطَّعمِ. اشتَكى. ثم فَهمَ: الطَّعمُ كانَ منها، لا من الفاكهة. كأنَّها — حَتى أَناناسَ السَّفينة — تَمرُّ به فتُحلِّيه قبلَ أن تَأكُله.

هَمسَ بالأُغنية: «يا قَمَر مَشغَرَة، يا قَمَر مَشغَرَة، اشتقتلَّك يا قَمَر.» فَيروز. القَمَرُ سَمِعَه، أو ابتسَم، أو صَمَتَ كما هَو دائماً. وضَعَ القِلادةَ — التي خَلَّفَتْها — على جَيبِ صَدره.

في ليلةٍ ما، بعدَ سَنوات، صَعدَ نَجم — ابنُ ليث — إلى سَطحٍ بَعيدٍ في مدينةٍ أُخرى. القَمرُ كانَ فَوقَه. شَعرَ بشيءٍ غَريب، كأنَّه كانَ قَدْ صَعِد إلى ذلك السَّطحِ من قَبل، رَغمَ أَنَّه لم يَفعل. هَمسَ اسماً سَمِعَه في مَنامٍ: «ليلى». ثم خَجَلَ. لكنَّ القَمَر، أَيضاً، ابتسَم.

همسة قِلادةُ العَنبَرِ التي حَملَها قَيس، تَركَها في وَصِيَّتِه لِفَتاةٍ ستُولَدُ بَعدَ ثَلاثينَ سَنة. اسمُها — وهو لا يَعرف — ليلى أَيضاً.
السابق
فجر
التالي
كاس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.