الفصل الأوّل
التُّفَّاحُ في المَطبَخ
هذا بَيتٌ آخر. ليس البَيتَ الخَشبيَّ القَديم. بَيتٌ أَبيَضٌ، بِنوافذَ زَرقاءَ كَبيرة. يُطِلُّ على البَحر. شَجَرَةُ ياسمينٍ على البَاب — هي نَفسُها التي كانتْ في «شَارع الياسمين»، يَسأَلُ المرءُ نَفسه: كَيفَ وَصَلتْ؟ السُّؤال هنا لا يَعني شَيئاً. هي هَنا.
ليلى في المَطبَخ. لَم تَعُد شابَّةً. أَربَعونَ سَنةً، خَطَّاتٌ خَفيفةٌ على جَبينها، شَعرٌ جَمَعَتْه إلى الخَلف. تُحضِّرُ سَلَطَةَ فَواكه. تُفَّاحٌ أَحمر، ليتشي، كَشمشٌ أَسوَد، جَريب فروتٌ وَردي. السُّكَّرُ في الإِناء. المسكُ على رُسغَيها — لا تَنزِلُ بدونه.
ابنَتُها — اسمُها مَريَم، عَشَرَ سنوات — تَدخل. تَقول: «ماما، البحرُ هاجِم.» ضَحَكَتْ ليلى: «ما يَهجِمْنا، يا حَبيبتي. هَو يَلعَب.» البِنتُ تَأخُذُ تُفَّاحةً وَتَخرُج. التُّفَّاحُ في هذا البيتِ صَنفٌ نادر. بُذورُه مَن جَدِّ مَجهولٍ، وَصلَتْها في صُندوقٍ صَغير.
ابنُها سَكَن — اسمُه على البيتِ، أَو البَيتُ على اسمه، لا تَعرف أَيُّهما سَبَق — يَقرَأ في الصَّالة. اِبنٌ هادئ، عَيناه فيهما شَيءٌ مِن أبيها قَيس، وشَيءٌ — لا تَعرفه — مِن إنسانٍ آخر. كأنَّ في وَجهِه شَخصاً ثالثاً. تَنظرُ إليه أَحياناً. تَبتَسم. لا تَسأل.
الفصل الثاني
الياسمينُ على البَاب
تَخرُج. تَجلسُ في الفِناء. الياسمينةُ على البابِ تَتسلَّق. تَقولُ لِمَريم: «هذي الياسمينةُ مَعي مِن بَلَدٍ ثاني. مِن بَيتٍ أَنا فيه كنتُ صَغيرة.» تَسأَلُ مَريم: «أَيُّ بَلَد، يا ماما؟» تَسكُتُ ليلى. تَنظرُ إلى البَحر.
تَقولُ بصَوتٍ خَفيف: «بَلَدٌ ما زِلتُ هُناك، بِشَكلٍ ما. أَحياناً، أَحلُمُ بِه. شارعٌ فيه عَرَبَةُ زُهور. صَبيّةٌ صَغيرةٌ تَركضُ. أَبٌ يَلبسُ زِيّاً قَديماً. أَخٌ يَدخِّن على السَّطح. أُحبَّةٌ كَثيرون. وكلُّهم يَنتظرون.» مَرَيمُ تَنظرُ إليها بِعَينَين كَبيرَتَين. تَسأل: «وأَنا في تلكَ الأَحلام؟» تَقول ليلى: «إنتي هُناكَ أَيضاً، يا حَبيبتي. لكن بِشَكلٍ مُختَلِف.»
قَيسٌ يَخرُج. يَحملُ كَأسَين مِن الشّاي. لم يَتغيَّر كَثيراً. هَدأَتْ عَيناه. ابتسامتُه أَوسَع. كأنَّ — في هذا العالَم — لم يَفقدْها أَبداً. يَجلسُ بِجانبها. يَقولُ: «بَتفَكَّري في إيش؟» تَقول: «في كأسٍ مَكسورة.» يَضحك. يَقول: «إنتي بَتفكَّري دايماً في كَأسٍ مَكسورة.» تَقول: «هي كَأسي. لكنَّها — في عالَمٍ ما — كانَتْ ستَنكَسر.»
السُّكَّرُ في الشَّاي. المسكُ في الجَوّ. العَنبَرُ في القلادَة التي تَلبسُها. الطَّحلَبُ على حَجَرِ البابِ — كأنَّ البَحرَ نَفسَه يَعرفُ هذا البَيتَ ولا يَنساه. الجَوُّ كاملٌ، ساكنٌ، مَوضوعٌ كَكَأسٍ على طاولةٍ هادئة.
الفصل الثالث
الذِّكرى التي تَزور
في إحدى اللَّيالي، تَجلسُ ليلى وَحدَها. الجَميعُ نائم. تَفتحُ النَّافذَة. الياسمينُ يَفوح. الفانيلّا تَتَسرَّبُ مِن المَطبَخ. العَنبَرُ على رَقبَتها. كلُّ شَيء — في تلكَ اللَّحظة — يَهمسُ بِشَيء.
تَسمعُ صَوتاً. لا أَحدٌ في البَيت. لكنَّ الصَّوتَ يَأتي. صَوتُ رَجُلٍ، مِن بَعيد، يَهمس: «ليش رَحتِ؟» تَتجَمَّدُ. تَنظرُ في كلِّ اتِّجاه. لا أَحد. لكنَّ الصَّوتَ كانَ صوتَ قَيس. قَيسٍ آخر. ليس قَيسَ هذا البَيت.
هَمَستْ في الفَراغ، ولم تَعرفْ هل أَجابَتْ على سُؤالٍ صَدَر، أو على سُؤالٍ في داخلها: «ما رحتُ، يا حَبيبي. أَنا هَنا. أَنا في كلِّ مَكان.» الياسمينُ ارتَفَعَ. السُّكَّرُ في الشَّاي البَارد كأنَّه ابتلَّ. شَيءٌ — مَا زال — يَتحرَّك بَين العَوالِم. كَخَيطٍ بَين بَيتَين.
مِنذُها، صارتْ تَترُكُ كَأسَ شايٍ صَغيرة على المَنضَدةِ كلَّ ليلة. لا تَشربُها. تَترُكُها للذي يَهمس. ولا تَفهَم. لكنَّ في الصَّباح، أَحياناً، تَكون فارغة. وأَحياناً مَا. كأنَّ شَيئاً — أَو شَخصاً — يَأتي بِين الحينِ والحين.