الفصل الأوّل
الكُمَّثرَى في حَقيبَةِ البَحَّار
اِسمُه عَصب. لا أَحدَ يَعرفُ مِن أَيِّ بَلدٍ هُوَ. يَتكَلَّمُ عَرَبيَّةَ مَدينةِ الذِّكرى، لَكنَّه يُغَنّي بِلُغةٍ لا يَعرفها أَحد. كانَ يَدخلُ الميناءَ كلَّ ثَلاثةِ أَشهر. سَفينتُه قَديمة، خَشبَةُ صارَيتِها سَوداء كأنَّها رَأَتْ مِن النَّار ما لم يَرَ أَحَد.
كانَ يَنزِلُ بِحَقيبةٍ بُنّيّة. فيها دائماً: كُمَّثرَى مِن جَزائرَ بَعيدة، صَابونُ لافنديرٍ مِن دِمشق، حَبَّاتُ كَراويا في كيسٍ مِن كَتَّان. كانَ يُهدي للأطفال قِطَعاً صَغيرة. لم يَطلبْ شَيئاً. كانَ يأخُذ — مِن النّاسِ — رَسائلَ يَحمِلُها للبَلَدِ التّالي.
أَوَّلُ مرَّةٍ رأَى ليلى، كانتْ في الرّابعةَ عشرة. أَهداها كُمَّثرَى غَريبةَ الشَّكل. قالَتْ: «إيه ده؟» قالَ بصَوتٍ بَطيء: «هذا فاكهةٌ تَنضَجُ بَعدَ الشَّجَرة. فَهي تَخرُجُ مِن الشَّجَرةِ ناقصة، ثم تَكتمِل في الحَقيبة.» ضَحِكتْ: «ودِي زي البَنات.» قالَ هو، بِصَوتٍ جادّ: «ودي زي القَلب.»
أَكَلَتها وَحدَها على الشُّرفَة. كانت أَوَّلَ كُمَّثرَى ناقصةٍ تأكُلُها. مِنذُها، صارَتْ تأكلُ كلَّ كُمَّثرَى ناقصة. كانتْ تقولُ: «النّاقِصُ يَكتمِلُ في فَمِك.» ولم يَفهمْ أَحدٌ مِن أَين أتَتْ بهذا الكلام.
الفصل الثاني
الرَّسائلُ التي حَمَل
لمّا كَبُرَتْ ليلى وأَحَبَّتْ قَيس، وكَتَبَ قَيسٌ رَسائلَ، صارَ عَصب يَأخذُها. لم يَفتحْ واحدةً. كانَ يَقول: «البَحَّارُ الذي يَفتحُ ما أُعطِيَ، يَغرَقُ.» كَلِمةٌ قَديمةٌ مِن أُمِّه — لم يَعرف ما أُمَّتُه — كانَ يُكرِّرُها كأَنَّها وِرد.
كانتِ الرَّسائلُ تَذهَبُ إلى مَكانٍ غَريب. ليس إلى ليلى التي في بَيتها — بل إلى ليلى أُخرى، في جَزيرةٍ على البَحر اسمها مَهجور. هَكذا قالتْ له، حِينَ سألَهُ غَريبٌ في مِيناءٍ شَماليّ: «وأنتَ إلى مَن تَحمل؟» قالَ عَصب: «إلى امرأةٍ تَنتَظرُ.» قالَ الغَريب: «أَنا أَعرفُها. هي أُختي.»
في إحدى الرّحلات، عاصَفَ البَحرُ سَفينتَه. غَرِقَتْ نِصفُ الحَقيبة. نَجَتْ ثَلاثُ رَسائل. واحدةٌ مَلطَّخةٌ بِدَم — لم يَعرفْ كَيف. وَصَلَ بِها إلى المِيناءِ التّالي. سَلَّمَها لامرأةٍ تَفتحُ بابَ بَيتٍ صَغيرٍ بِجانبِ شَجَرَةِ تين.
حِينَ نَظَرَتْ إليه، تَوقَّفَ قَلبُه. كانَ يَعرفُ هذا الوَجه. شَعرٌ أَسوَدُ طَويل. عَينان كَلَوزَتَين بَنّيَّتَين. ابتِسامةٌ تَعرفُ شيئاً أَكثَرَ مِنك. قالَ: «ليلى؟» ابتَسمَتْ. قالتْ: «إنتَ عَصب. كانوا يَقولون لي إنّك ستَأتي.»
الفصل الثالث
الباتشُولي في النِّهاية
كانَ ذلك في «عَدَن». لم يَعرف عَصب وَقتَها أَنَّ الجَزيرةَ ليستْ في خَريطة. ظَنَّ أَنَّه قَد ضاعَ ودَخلَ في مَكانٍ جَديد. ليلى أَعَدَّتْ لَه شاياً بِلَيمونٍ ونَعناع. أَخذَتِ الرَّسائلَ كلَّها. قَرأتْها بصَمت. ثم رَفعَتْ رأسَها.
قالتْ: «شُكراً، يا عَصب. أَنا الآن أَعرفُ أَنَّه ما زالَ يَكتُب.» قالَ هو: «هَو يَكتبُ كلَّ ليلة.» قالَتْ: «طَيِّب.» في الغُرفَة، كانتْ رائحةُ باتشُوليٍّ خَفيفة، وفانيلّا، وأَخشابٍ بَحريّة. تَفّاحَةٌ على الطّاولة، وكَأسُ ماءٍ تَلمَع.
رأَى عَصب صورَتَه — صورتَه هو — على رَفِّ الكُتُب. سألَ: «إنتي بَتعرفيني؟» قالتْ: «إنتَ كنتَ بَحَّارَ جَدّي. مِن قَبلِ خَمسينَ سَنة. أنا بَعرفُك مِن صُورة.» نَظَرَ ثانيةً. لم يَعرف الجَدَّ. لم يَعرفْ أَيَّ صُورة. لكنَّه كانَ يَعلَمُ، بِشَكلٍ ما، أَنَّ هذا صَحيح.
لم يَعُدْ عَصب إلى مدينةِ الذِّكرى بَعدَ ذلك. السَّفينة، رَجَعتْ وَحدَها — وقالوا في المِيناءِ القَديم إِنَّ بَحَّاراً وَجَدَ أَخيراً البَيتَ الذي كانَ يَبحثُ عَنه. قَيس، حِينَ سَأَلَ عَنه، قالتْ وَردة: «هَو أَخَذَ آخرَ رِسالتِك. ولم تَرجعْ.» قالَ قَيسٌ: «طَيِّب.» وكانَ في صَوته شَيءٌ مِن السَّعادة. كأنَّه أخيراً يَعرفُ أَنَّ شَيئاً وَصَل.