الفصل الأوّل
الكُمَّثرى التي لم تنضج
كانتْ تخرجُ كلَّ عصرٍ إلى الشُّرفة، وفي يدها كُمَّثرى لم تنضجْ بعد. تقولُ لي إنّ الفاكهةَ الناقصةَ أحلى، لأنّها لم تَعرف الذُّبول. كانتْ ضحكتُها تُسمَع من أوّل الشارع، يَفوحُ فيه برغموتٌ من بائع العَطّار، وياسمينٌ متسلِّقٌ على بيتٍ مهجور. كانتْ ليلى تَكتُبُ على دفترٍ أسود، ولم أعرفْ ماذا تَكتُب.
مرَّةً واحدةً، حينَ نَسيَتْ نفسَها، رأيتُ سَطراً بخَطٍّ لا يُشبِهُ خطَّها: «حبَّيتك تَ نسيتُ النَّوم، وتَ نسيتُ الحبّ، وغَرِقتُ في وَحدتي». أَغلقَتْه قبلَ أن أُكمِل، وقالتْ: «هذا ليس لكَ بعد.» وفي المساء، تَمشي إلى الميناءِ وحدها. لم تكنْ تُحبُّ السَّفر، لكنّها أحبَّتْ أن تَرى السُّفنَ تَذهَب.
قالتْ لي يوماً، وهي تُحدِّقُ في الموجة: «كلُّ واحدٍ منّا له سفينةٌ لن يَركَبَها، وهذي سفينَتي.» لم أَفهَم وقتَها. الياسمينُ الذي يَفوحُ من شَعرِها لم يكنْ منها — كأنّه يأتي من بُستانٍ بعيدٍ، من بيتٍ في عالَمٍ لم نُولَدْ فيه بعد. كأنَّ ليلى لم تكنْ من هنا، بل عابرة. وكنّا نحنُ سُذَّجاً نَظنُّها مُستقِرَّة.
في آخرِ يومٍ رأيتُها فيه، التفتَتْ، وقالتْ بنبرةٍ أهدأَ من البحر: «حينَ أرحَل، لا تَبحثوا عنّي في القَبر؛ ابحثوا عنّي في الرّائحة.» ولم أَفهمْ بعدُ ماذا تعني. غَدَا صباحٌ آخر، ولم تخرج إلى الشُّرفة. ولم تَبقَ في الشارعِ كُمَّثرى.
الفصل الثاني
الوردةُ التي جاءت متأخِّرة
في الليلةِ الأخيرةِ، لم يَدُقَّ بابَها أحدٌ سواي. كانتْ تَجلسُ على السَّرير، وفي يدها وردةُ مايو — لا أعرفُ من أينَ جاءت، لأنَّ مايو كانَ قد غاب من زمن. قالتْ بهدوءٍ: «وحدُن بيبقَوا متلَ زهر البَيلسان…»، ثم لم تُكمِل. كانتِ الفانيلّا تَفوحُ من الكوزِ المنسيّ، والمسكُ يَتسلَّلُ من ستارة النّافذة. كأنَّ البيتَ كلَّه قد تَذكَّر شيئاً قبلَها.
سألتُها: «لمنْ كلُّ هذا؟» قالتْ: «لِلَّذي لن يأتي.» يعني قيس. لم تَقُل اسمَه يومَها، لكنَّ الاسمَ كانَ معلَّقاً في الهواءِ مِثلَ بَخور. ثم قامت، وفتحتِ النّافذة، وقذفتِ الدَّفترَ الأسودَ إلى الشارع. سَمعتُ صَوتَه يَسقطُ على الحَجَر، خفيفاً كأنّه فارغٌ من أوّله.
وأُقسِم أنّه لم يكن. حينَ نزلتُ في الفَجر لأَلتقطَه، كان قد اختفى. سألتُ وردةَ بائعةَ الزهور: «هل أخذتيه؟» قالتْ: «أنا لا أَلمسُ ما يَسقطُ من نافذةِ ليلى.» قالت ذلك دون أن تَرفعَ عينيها عن سلَّةٍ كانتْ تُنسِّقُها بأناقةِ من يَعرف.
تلكَ الليلةَ، عَرفنا أنَّ ليلى ذهبتْ. لم نَبكِ كثيراً. كأنَّ كلَّ واحدٍ منّا كان ينتظرُ هذا. الكُمَّثرى التي بقيتْ على الطاولةِ ذَبُلتْ في ساعةٍ. كأنّها كانتْ تأخذُ روحَها منها.
الفصل الثالث
البَيتُ الذي ظلَّ يتذكَّر
كلَّ يومٍ بعدَها، يُرسِلُ قيس إلى الشّارعِ رِسالةً بلا عنوان. وكلَّ مرّةٍ تأخذُها وردة، وتَضعُها على شجرةِ الياسمين. تقولُ: «هي تَقرأُها من هناك.» في عالمٍ آخر، ربّما تَقرأُها فعلاً. أمّا هنا، فالشارعُ لم يَعُدْ كما كان: الكُمَّثرى لا تَنضَج، والبَرغموتُ اختفى، وحتّى المسكُ صارَ باهتاً.
لكنَّ الياسمينَ بَقي. كأنَّ ليلى عَلَّقتْ روحَها هناك قبلَ أن تَرحَل، ونَسيتْ أن تأخذَها. أو ربّما لم تَنسَ. ربّما تَرَكَتْها لنا، حتّى لا نَنسى. كلَّ ربيعٍ يَفتحُ الياسمينُ زَهرَه، ونَشُمُّ ما كان يَفوحُ من شَعرِها.
وفي كلِّ ليلةٍ، يَستيقظُ قيس على رائحةِ كُمَّثرى. يقولُ لي: «أحياناً أَحلُمُ أنّها مدّتْ يدَها من النّافذة، وأَعطتني واحدةً، وقالتْ: كُلْها، فأنا لا آكلُها بعدَ اليوم.» نأكلُها — نحنُ أيضاً — في أحلامِنا. ولا تَنضَج.
أمّا الدَّفترُ الأسود، فيُقالُ إنَّ بحّاراً اسمُه عصب وَجدَه في صندوقٍ رماديٍّ بعدَ عشرينَ سنةً، في مينائِها الآخر. لم يَفتحْه. قال: «من حَملَ رسائلَ إنسانةٍ ميّتة، يَعرفُ متى يَفتحُ ما لها، ومتى يَتركُه.»