الفصل الأوّل
البُرتُقالُ في يَدَي الجَدّ
اسمُه نَجم. ابنُ ليث. لم يَعرف خالَه أَو خالَتَه. لم يَعرف بَيتَ جَدِّه. وُلِدَ في مدينةٍ بَعيدةٍ في وَسطِ الصَّحراء، في «اطلس». أُمُّه — التي وَجَدها ليثٌ في تلكَ البَوّابة — أَسمَتْه نَجم. قالتْ: «هَيك بَتقدَر تتدلَّل بسماء.»
كانَ جَدُّه — جَدُّه من جِهَةِ أُمِّه، شَيخٌ كَبيرُ السِّن — يأتي بِالبُرتُقالِ والليمونِ من بُستانِه. يَضعُهما في حَوضٍ زُجاجيّ. يَقول: «هذا حَفيدي.» كأنَّ الفَواكهَ ابنُه أَيضاً. الطِّفلُ كانَ يَلعَبُ بِهما، يَشُمُّهما، يَعرفُ المَواسمَ من رَوائحِها.
أُمُّه كلَّ صَباحٍ تَصنَعُ له حَليباً بِالفانيلّا. تَقول: «هذي وَصفةُ بَلدٍ ثاني.» يَسألها: «أيُّ بلَد، يا أُمّي؟» تَبتسمُ ولا تُجيب. كأنَّها تَخبِئ شيئاً عنه. كأنَّها تَخبئ بَيتاً كَامِلاً.
الفَواكهُ في الصُّحون، الفانيلّا في الكَأس، المسكُ على شَالها — كلُّها كانتْ تَحكي حِكايةً لا تَعرفها. حِكايةَ امرأةٍ ماتتْ على فُستانٍ أَبيَض، وأَخٍ هَرَب إلى الصَّحراء، وقَلبٍ ظَلَّ يَنبضُ تحتَ ضِلعِ رَجُلٍ في مدينةٍ بَعيدة.
الفصل الثاني
الفانيلّا في الكَأس
كَبُرَ نَجم. أَصبحَ في الثَّامنةَ عشرة. شابٌّ هادئ. عَيناه فيهما شَيءٌ غَريب — كأنَّ هناك شَخصاً ثَانياً يَنظرُ من خَلفِهما. أُمُّه، حينَ تَنظُرُ إلَيه، تَسكُتُ أحياناً. تَبكي بَعدَ ذلك سِرّاً. لم يَفهَم.
ذاتَ يومٍ، وَجَدَ في خِزانةِ أَبيه — أَبيه الذي كانَ يقولُ القَليلَ — صُندوقاً خَشبيّاً. فَتَحَه. داخِلَه: قَميصٌ قَديم، فيه كيسُ لافندرٍ صَغير. ورَقةٌ مَطويّة. قِطعةٌ من تُوفي. حَبَّاتُ تونكا.
فَتحَ الورقة. كانتْ مَكتوبةً بخَطِّ امرأةٍ لا يَعرفُها. كَلِماتٌ قَليلة: «حَبيبي ليث، أخوكَ في غِيابي. لو وَصلَتْ هذي الرِّسالة، فاعرفْ أَنّي بَخَير. أَخواتُك يَنتَظِرونَك. وَأَنا أَيضاً. ليلى.»
شَمَّ الوَرقة. ريحُ مسكٍ خَفيف، وفانيلّا. لم يَعرف من ليلى. شعَرَ — ولم يَعرف لماذا — بِدَمعَتَين على خَدَّيه. لم يَكُن في قَلبه شيءٌ. لكنَّ الجَسدَ بَكى من تِلقاءِ نَفسِه. كأنَّ الرِّسالة نَفسَها كانتْ تَعرفُ مَن يَنبَغي أن يَبكي.
الفصل الثالث
المسكُ والاسم

بَعدَ سَنواتٍ، تَزَوَّجَ نَجم. وَلِدَتْ زَوجَتُه بِنتاً. كانَ في الجِنازة، حينَ ماتتْ أُمُّه قَبلَ ذلك بشَهر، وعَدها أَن يَختارَ اسماً يَفخَرُ به أَبوه. لم يَكُن يَعرف لماذا، لكنَّ الاسمَ الذي خَطَر له كانَ: «ليلى».
زَوجَتُه استَغرَبتْ. قالَتْ: «ليلى؟ ليش هذا الاسم؟» قالَ: «ما بَعرف. بحُسُّه يَخصّني.» وافَقَت. أَسمَوها ليلى.
البِنتُ الصَّغيرةُ كَبُرَتْ. كانتْ هَادئةً، تَأكُلُ التُّفّاحَ، تُحبُّ البَرغموت، تَنامُ تحتَ القَمر. أَبوها، نَجم، كانَ يَنظرُ إلَيها أَحياناً ويَخاف. لم يَعرف لماذا. كأنَّه يَنظرُ إلى شَبَحٍ يَعرفُه ولا يَعرفُه.
في يَومٍ من الأَيّام، كانَ يَفتحُ صُندوقَ والدِه. أَخرَجَ كيسَ اللافندر. وَضَعَه على رَقَبةِ ابنَتِه. ضَحكتْ. قالتْ: «ريحَتُه حِلوة. كأنّ حدا بَعرَفه عاملُه.» قالَ نَجم بصوتٍ أَخفض: «أَيوَه، ياحبيبتي. حَدا بنَعرَفُه.»