الفصل الأوّل
الرَّجُلُ الذي نَحَتَ الزَّمن
الشَّيخُ أَصيل لم يَنَم في غُرفةٍ مُغلَقة. كانَ يَنامُ على دَكَّةٍ خَلفَ مَتجَرِه، تَفتَحُها الرّيحُ على السُّوق. سُوقُ العَطّارين كانَ مَملكَتَه. أَكثرُ من خَمسينَ سنةً وهو في الزّاويةِ نَفسِها، أَمامَ تُفّاحٍ أَخضرَ وعُودٍ مَطحون.
كانَ يُؤمنُ أنَّ التُّفَّاحَ الأَخضَرَ يَحفظُ بُيوتَ النّاسِ من النِّسيان. يَضعُ تُفّاحةً واحدةً في كلِّ كيسِ عُودٍ يَبيعُه. يقول: «حَتى لا تَنسى البَيتَ يا ابني.» سألتُه يومَها وأنا في العاشرة: «شيخ، إنتَ بَتنسى؟» قالَ: «أَنا بَنسى الأَموات. مَن يَنسى المَوتى يَنسى نَفسَه.»
كانَ يَعرفُ أَهل المدينةِ كلَّهم. عَرَفَ الجَدَّ — جَدَّ ليلى — حَيناً كانَ شابّاً يَشتري عُوداً للقَبو. عَرَفَ فارساً حينَ كانَ ضابطاً جَديداً. عَرَفَ ليلى وهي تَتبعُ أَباها بِفُستانِها الأَبيَض الصَّغير. أَهداها تُفّاحةً، فأَكَلَتها على عَتبَة المَتجَر. الزُّهورُ كانتْ تُحيطُ بها كأنَّها تعرفها.
حَفِظَ المدينةَ. كأنَّ كلَّ بُخورٍ يَبيعُه يَأخُذ مِنه قِطعةَ ذاكرة، ويَترُكها في بَيتِ الزّبون. ولذلكَ كانَ لِبَيتِ كلِّ عَطّارٍ في المدينة نَفسُ الرّائحةِ تَقريباً: عُودٌ، وزَهرٌ، وتُفّاحٌ خَفيف. رائحةُ أَصيل.
الفصل الثاني
العُودُ يَحرِق
حينَ ماتتْ ليلى، أَغلقَ أَصيلٌ مَتجَرَه ثَلاثَة أَيّام. لم يَفعلْ ذلك من قَبل، حَتى يومَ مَوتِ زَوجَتِه. النّاسُ سألوه: «شيخ، حُكمُك أَكبَرُ من حُزنُ زَوجتك؟» قال: «الزَّوجةُ تَركتني خَلفها. ليلى تَركتْ المدينةَ خَلفها.»
في الليلةِ الثَّالثةِ بعدَ دَفنِها، أَخرَجَ من خِزانَتِه قِطعةَ عُودٍ هِنديٍّ، نَدرتْ في زَمَنٍ، وثَمنُها كانَ أَغلى من بَيتٍ صَغير. وَضعَها على فَحمةٍ تَحَتَ شَجَرةِ التُّفّاحِ في الفِناء. الدُّخانُ ارتفعَ كأنَّه صَلاة.
قَرأَ سُورةَ الفاتحة. قَرأَ بَيتاً من امرئِ القَيس: «قِفا نَبكِ من ذِكرى حَبيبٍ ومَنزِلِ — بسِقطِ اللِّوى بَينَ الدَّخولِ فحَومَلِ.» قَرأَ — لِنفسِه ولا أحدٌ يَسمَع — اسمَ ليلى ثَلاثاً. كأنّها كانتْ زَوجَتَه. كأنّها كانتْ ابنتَه. كأنَّها كانتْ كلَّ شَيءٍ في وَقتٍ واحد.
الزُّهورُ في الفِناء، فاحَتْ تلكَ الليلة. الفانيلّا — التي لا أحدَ يَعرفُ من أينَ تَأتي في سُوقِ عَطّارين — تَسلَّلتْ من نُقطةٍ مَجهولة. نظرَ أَصيلٌ إلى السَّماءِ، وقالَ بصوتٍ أَخفضَ من هَمس: «وَدَّعتُكِ، يا ابنتي. ولا أَدَّعي أنّي أَكثَرُ صَبراً من قَيس.»
الفصل الثالث
الزُّهورُ على القَبر
في يَومٍ ما، بَعدَ سَنةٍ من رَحيل ليلى، خَرجَ أَصيلٌ من بَيتِه قبلَ الفَجر. لَم يُخبِر أَحَداً. حَملَ عُلبةَ عُودٍ صَغيرة، وفي يَدِه تُفّاحةٌ خَضراء. مَشى ببُطء، كأنَّ كلَّ خطوةٍ ذِكرى. مَشى إلى المَقبَرة.
وَقفَ أَمامَ قَبرِ ليلى. أَشعلَ العُود. وَضعَ التُّفّاحةَ على الحَجَر. قالَ بصوتٍ هادئ: «حَفِظتُكِ في كلِّ بَخورٍ بِعتُه. الآنَ خَلَّيتُ المدينةَ في عُهدَتِك. وأنا، يا بُنيَّتي، تَعِبتُ.»
أَخذَ نَفَساً عَميقاً. الأَخشابُ والزُّهورُ والتُّفّاحُ والعُود — كأنَّ كلَّ روائحِ المدينةِ اجتَمَعَتْ في تلكَ اللَّحظة. ثم انخَفَضَ بِجوارِ الحَجَر. وَضَعَ خَدَّه عليه. أَغمضَ عَينَيه.
في الصَّباح، وَجدوه. قالَ النّاسُ: «الشَّيخُ ماتَ على قَبرِ ليلى.» قالَ آخرونَ: «الشَّيخُ ماتَ ليُكمِلَ ما لم يُكمِلْه أَحد.» قالتْ وَردة، حينَ سَمِعتْ: «الشَّيخُ ماتَ، لكنَّ المدينةَ ما زالتْ تَفوحُ. هذا هو إِرثُه.» ومَتجَرُه — الذي ظَلَّ مُغلَقاً منذُها — يَفوحُ منه عُودٌ كلَّ صباحٍ. ولا أَحدَ يَفتحُ بابَه.