الفصل الأوّل
الجَدُّ يَدفِنُ سِرَّاً
جَدُّ ليلى كانَ رَجلاً صَموتاً، قَصيراً، عَريضَ الكَتِفَين، خَجولاً عند النّاس، صَريحاً عند نفسِه. أَحبَّ الكونياكَ منذُ شَبابه. تَعَلَّم من خالٍ سُوريٍّ كيفَ يُخرِجُ من الفاكهةِ ما يَنامُ في عُمقِها. صَنَعَه بِيدَيه، عام ١٩٠٧.
كانَ القَبوُ تحتَ البَيت بارداً، يَفوحُ منه خَشبُ السِّنديانِ القديم. وضَعَ البِراميلَ بنفسِه، وأَغلَقَ البابَ بِقُفلٍ نُحاسي. قالَ لِزَوجتِه: «هذا لِزَواجِ ابنَتِنا — لو كانَ لنا ابنة. ولِزواجِ حَفيدتِنا — لو كانَ لنا حَفيدة.» قالتْ: «وإذا لم يَكنْ؟» قال: «يَبقى.»
كانَ الكونياك في صُمتِه يَأخُذُ من البَرميل ما لم يَضعْه أَحد: قِرفةً من الجَوّ، فانيلّا من الخَشب، شَيئاً مِن المَرَّاتِ التي بَكى فيها الجَدُّ خلفَ البَاب. كأنّ القَبوَ يَسجِّل، يُقطِّر، يَعصِر. كأنَّ النَّبيذَ كانَ حياةً صَغيرةً تَنمو لِوَحدِها.
ماتَ الجَدُّ ولم تَكتمل ابنته. حَملتْ بَعدَه. كانَ آخرَ ما سَمِعَه: «حامِل، يَا أَبي.» ابتسمَ، ثم رحَلَ. لم يَعرف أنَّها بِنت. لم يَعرف أنَّ اسمَها سَيكونُ ليلى. لم يَعرف أنَّ كأسَ كونياكِه ستَنكَسرُ على فُستانها.
الفصل الثاني
القَبوُ الذي يَتنفَّس
فارس — أَبو ليلى — لم يَشرَب الخَمر. وَرِثَ القبوَ ولم يَرِث الذَّوق. لكنَّه احتَفَظَ بكلِّ شَيء. كانَ يَنزلُ مرَّةً في الشَّهر، يَفتحُ القُفل، يَنظرُ، يُغلِقُ من جَديد. لم يَشمَّ. كأنَّ الشّمَّ سيُذكِّرُه بأَبيه.
البَراميلُ في الظَّلام تَتَنفَّس. الخَشبُ يَتمَدَّد ويَتقَلَّص مع الفُصول. البَارلين الذي وَضعَه الجَدُّ بِسرِّيّةٍ في زاويةٍ نَسيها، صارَ شَريكاً لِلكونياك. حدَّثَ القَبوُ نفسَه: ‹أنا أكبَرُ من هذا البَيت. أنا أنتَظِر بِنتاً لم تُولَد بَعد.›
ليلى نَزلتْ مرَّةً، وهي في السَّابعة. فَتحتْ — لم يَدرِ كيفَ — القُفل. نَزَلَتْ، وَنَظَرَتْ إلى البَراميل. لم تَخَف. وَضعتْ يَدَها على واحدٍ منها. همَستْ: «أَنا هون.» همَسَ البَرميل، أو خَيَّلَ إلَيها، شيئاً لا تَفهَمُه. صَعِدَتْ. لم تُخبِرْ أَحَداً.
بَعدَها بسَنواتٍ، حينَ سَمِعَتْ أَنَّ زواجَها قَريب، نَزَلتْ ثانيةً. البَراميلُ نَفسُها. الخَشبُ نَفسُه. لكنَّها هذي المرَّةَ بَكتْ. لم تَعرفْ لماذا. مَسَحَتْ دَمعَتَها. صَعِدَتْ. قالت لِأَبيها: «خَلِّيه يَومَ العُرس.» وافَق. كأنَّ الجَدَّ في القَبر سَمِع.
الفصل الثالث
ما تَبقَّى في البَرميل
بَعدَ ليلةِ العُرس، بَعدَ سُقوطِ الكَأس، بَعدَ مَوتِ ليلى، نَزَلَ فارسٌ إلى القَبو لِأَوَّلِ مرَّةٍ منذُ سنوات. لم تَتغيَّر رائحَتُه. ما زالَ خَشبُ السِّنديانِ والقِرفةُ والفانيلّا. لكنَّ شَيئاً واحداً تَغيَّر: البَرميلُ الذي لَمَستْه ليلى وهي في السّابعةِ كانَ مَفتوحاً. مَفتوحاً.
والكونياكُ منه قد نَقَصَ بمقدار كأسٍ واحدة. بالضَّبط. كأسٌ واحدة. كأنَّ البَرميلَ شَربَ نفسَه. أو كأنَّ شخصاً ما، في زمنٍ آخر، نَزَلَ وأَخذَها. أو كأنَّ ليلى نَفسَها — قبلَ أن تَموتَ — أَخذتْ كأسَها قبلَ أن تَنكَسر.
أَغلقَ فارسٌ القَبو. وَضعَ القُفلَ. حَلفَ ألّا يَنزلَ مرَّةً أُخرى. ثم نَزلَ في الأُسبوعِ التّالي. ثم في الشَّهرِ التّالي. ثم في كلِّ ليلةٍ من رمَضان. كانَ يَجلسُ بَين البَراميل، يُحدِّثُ أَباه، يُحدِّثُ ابنَتَه، يُحدِّثُ زَوجَتَه التي لم تَلِدْه ابناً ثانِياً.
في إحدى لياليهِ الأخيرة، فَتَحَ البَرميلَ كاملاً. صَبَّ في كأسٍ. نَظَر. قالَ: «وأَخيراً.» شَربَ. لم يَكُن كَريهاً كما تَخَيَّل. كانَ حُلواً، حُلواً جدّاً، فيه قِرفةٌ ووَردٌ وفانيلّا، وشَيءٌ من الزَّمَنِ كلِّه. بَكى. ثم نامَ بَين البَراميل. وَجدوه صَباحاً، مُبتسماً، والكأسُ في يَده.