وراء كل عطر قصة

محارب

محارب

 

 

 


زَهرةُ البُرتُقالِ على الزِّيّ

مُحارب — زَهرةُ البُرتُقالِ على الزِّيّ

اسمُه مُحارب. ضابطٌ من جَيشٍ قَديم. كانَ يَلبسُ على زِيِّه الرَّسميِّ زَهرةَ بُرتُقالٍ صَغيرة. كانَ النّاسُ يَضحكونَ منه أَوَّلَ الأَمر. ثم اعتادوا. ثم أحبّوه عليها. الزَّهرةُ كانتْ من حَديقَتِه — حديقةٍ صَغيرةٍ خَلفَ بَيتٍ مُتوسِّط، وَرِثَه عن أَبيه.

زَوجَتُه ماتتْ في أَوَّل سَنةٍ من زَواجِهما. ابنَتُه ماتتْ بَعدَها بِعامَين، وهي في الرّابعة. كانَ يَرتَدي زَهرةَ البُرتُقال لأَنَّها — قال — «هذي كانتْ زَهرةَ ابنَتي. حَطَّتْها في شَعري ضَحكاً قَبلَ أن تَموت. لم أَترُكْها.»

صارَ حَياتُه كلُّها للجَيش، وللمَدينة. ابتَعَدَ عن النّاس. عَزفَ القَهوةَ. ابتعَدَ عن النِّساء. كانَ يَبدو في عَينَيه شَيءٌ من القِرفة — حادٌّ، حارٌّ، يَلسَعُك دونَ أن يَجرَحَك. القرفةُ كانت في جَيبِه دائماً، عُوداً صَغيراً يَمضَغُه قَبلَ المَعركة، عادةٌ من أَبيه.

في حِكاياتِ النّاسِ، صارَ مُحارباً مَيِّتاً قَبلَ أن يَموتَ. كأنّه شَبَحٌ يَلبسُ زَهرةَ بُرتُقال. الفانيلّا التي تَفوحُ من بَيتِه فاحَتْ من حُلواتٍ كانتْ زَوجَتُه تُحَضِّرُها، وبَقيتْ في الجُدران بَعدَها.


القِرفةُ في الجِراب

مُحارب — القِرفةُ في الجِراب

في الليلةِ التي قبلَ المَعركة، رأَى زَوجَتَه في حُلم. كانتْ شابّةً، بفُستانٍ أَبيَض. قالتْ: «بُكرَة عيد، يا مُحارب.» قال: «أَيُّ عيد، يا حَبيبَتي؟» قالتْ: «العيدُ الذي بَعدَ الوَجَع.» ثم اختفتْ. اِستيقَظَ فأُخِذَ بِالعَرَق.

كانَ ذلكَ شِتاءً. الجَيشُ المُغيرُ على البَوّاباتِ كانَ كَبيراً. الكُلُّ يَعرف أَنَّ الدِّفاعَ خاسر. ولكنَّ مُحارباً قال: «إنْ سَقَطَت البَوّابة، سَقَطَ كلُّ بَيتٍ خَلفها.» جَهَّزَ نَفسَه. لَبسَ زِيَّه. حَلَقَ ذَقنَه. وَضعَ زَهرةَ البُرتُقالِ في طَيَّة الكُمّ. وَضعَ القِرفةَ في جِرابِه.

قَبلَ خُروجِه، مَرَّ بالحَديقة. قَطفَ زَهرةً ثَانية. وَضعها في فَمِه — هكذا فَعلَ، وُلِدَ يَفعَلُ ذلك مُنذُ كانَ صَبيّاً. الفانيلّا التي تَفوحُ من بَيتِ زَوجَتِه المَيتةِ، فاحَتْ تلكَ الليلة. كأنَّ زَوجَتَه كانتْ تَصنعُ حَلوى. كأنَّها أَرادتْ أن تَودِّعَه برائحةٍ يَعرفُها.

وحينَ خَرجَ، خَرجَ أَهلُ المدينة كلُّهم. كانَ هَو ومئةُ جنديٍّ. أَمامَهم ألفان. لم يَلتفتْ. مَشى أمامَ الجَميع. الزَّهرةُ في الكُمّ، والقِرفةُ في الفَمّ، والاسمُ — اِسمُ ابنَته — على الشَّفَتَين.


الفانيلّا في الدِّماء



المَعركةُ استمَرَّتْ من العَصر إلى الفَجر. سَقطَ مُحاربٌ في السّاعةِ الأخيرة. سَقطَ على الخَشَب الذي كانَ يَفصِلُ بينَ البَوّابتَين. سَقطَ والزَّهرةُ ما زالتْ في كُمِّه. وحينَ هَدأَ كلُّ شَيء، صَعَدتْ من جُرحِه رائحةٌ غَريبة. خَشبٌ، وفانيلّا، وقِرفة، وزَهرٌ.

النّاسُ الذين جاؤوا لِيَحملوه قَبلَ المَوت، تَوَقَّفوا. لم يَستَطيعوا أن يَلمسوه. كأنَّه كانَ في حَالةِ صَلاة. في يَدِه ورقةٌ صَغيرة، كَتبَ عليها قَبل المَعركة: «إن مِتُّ، اِدفنوني تَحتَ شَجَرةِ بُرتُقال.» ودفنوه.

ولم تَموتْ شَجَرةُ البُرتُقالِ مُنذُها. أَكثرُ من قَرنٍ مَضى. الشَّجَرةُ ما زالتْ تَزهَر. الجَيشُ القديمُ ذَهَب. البَوّابة هُدِمَتْ. أَقاموا مَكانَها سُوراً جَديداً. لكنَّ الشَّجَرةَ بَقِيَتْ. وفيها رِجْلَيا مُحارب.

بَعدَ ثَمانينَ سنة، نَزَلَ جَدُّ ليلى من القَبوِ ليَتسلَّى. كانَ في العِشرين. مَرَّ بالشَّجرة. قَطفَ زَهرةَ بُرتُقال. وَضَعها في كَأس الكونياكِ الذي كانَ في يَده. ابتسمَ بدونِ أن يَعرفَ لماذا. ضَحِكَ. قالَ بصَوتٍ خَفيف: «شُكراً، يا حَبيبي.» ولم يَعرف لِمَن. مُحاربٌ، تحتَ الشَّجَرة، سَمِع. ابتسَم. ونام.

همسة زَهرةُ البُرتُقالِ التي رَافَقتْه في القَبر — يقولونَ إنَّها هي التي يَزرعُها فارسٌ على قَبر ابنته، بَعدَ مئةِ سَنة، دونَ أن يَعرفَ مَن زَرَع الأُولى.
السابق
أصيل
التالي
فجر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.