الفصل الأوّل
السيجارةُ الخامسة
كان شهاب يَجلسُ دائماً في الزّاويةِ نفسِها. الطّاولةُ المُلاصقةُ للجدار، بِجانبِها نافذةٌ مَلطَّخةٌ بدُخانٍ قديم. يَطلبُ الغَليون. التَّبغُ الذي يُحبُّه ثقيل، فيه فاكهةٌ مُجفَّفةٌ ولَمسةُ كاكاو. الفَواكهُ المُجفَّفةُ كانت تُذكِّرُه بليلى وهي صَبيّةٌ في حديقةِ الجدّة، تَأكُلُ المِشمِشَ المُجفَّف.
هو لم يَجرُؤ على أن يَقولَ لها يوماً إنّه يُحبُّها. كان يَكبُرها بسبعِ سنين. كانتْ بمَنزلةِ صديقةٍ صغيرةٍ لأُختِه. ضحكتْ مرّةً وقالت: «شهاب، إنتَ ليه دايماً ساكِت؟» قال: «لأنّ الكلامَ يَكسِرُ الجَمال.» ضحكتْ أكثر، ولم تَفهَم. أو فَهمتْ، وتركتْه.
في القَهوة، أمامَه دفترٌ بِغِلافٍ بُنّيّ. عليه أكثرُ من مئتي قصيدة. كلُّها لها. لا أحدَ غيرَه يَعرفُ ذلك. حتى الصَّبيُّ الذي يأتي بالغَليون يَظنُّ أنّه يَكتبُ ذكرياتِ حَرب. شهاب يَدَعُهم يَظنّون. الشّاعرُ يَعرفُ متى يَتكلَّم، ومتى يَدَعُ النّاسَ يَكتبونَ القصيدةَ بدلاً منه.
كلَّ ليلةٍ يَكتبُ بَيتاً واحداً. يَكتفي. ثم يُغلِقُ الدّفتر. يَنظرُ إلى قيس في الطّاولة الثانية. لا يَتكلَّمان. كأنَّ بينهما اتّفاقاً قديماً: من أحبَّها، لا يَحتاجُ أن يَشرَح.
الفصل الثاني
الكاكاو والذِّكرى
السيّدةُ الأرمنيّةُ في مَدخلِ القَهوة كانتْ تُهديه قِطعةَ شُكولاتةٍ سوداءَ كلَّ مساء. تَعرفُ أنّه يُحبُّها. لا يَدفع. لا تَطلُب. هو الوحيدُ الذي تَفعلُ معه ذلك. سألتُها مرّةً: «ليه؟» قالتْ: «هو لم يَخُن أحداً. لم أَر إنساناً أصدقَ منه في هذا الشّارع.» شُكولاتةٌ تُهدى لِصِدقٍ صَمَت.
ذاتَ ليلةٍ، أَخرجَ من جَيبه قِطعةً صغيرةً من تَبَغٍ خاصّ، فيه فلفلُ سَعدان. لَفَّ سيجارةً واحدةً، أشعَلَها، ولَم يُدخِّنْها. تَركَها تَحترقُ بكاملِها على الطَّبق. قال لي: «هذي السّيجارةُ كانتْ لها. كانتْ تقولُ: لمّا تموت، يا شهاب، خلِّني أُدخِّنُ معاك سيجارة.» ضَحَكَ، ثم بَكى بدونِ صَوت.
في الجَيبِ الآخر، فاكهةٌ مُجفَّفة. مِشمِشٌ، تينٌ، تَمر. يَأكلُ واحدةً كلَّ ساعة. يقول: «هكذا أَتَذَكَّرُ أنَّ هناك حَلاوةً في العالم. لَولا الفاكهةُ المُجفَّفة، لَنسيت.»
كانَ يَقتبسُ، أحياناً، بدون أن يَنظرَ في كتاب: «ما الحُبُّ إلّا للحبيبِ الأوَّلِ.» يَقولُ بَيتَ المُتنبّي بصوتٍ خَفيض، فيَلتفتُ قيس من بُعد. كأنَّ البَيتَ مَكتوبٌ لكلِّ مَن أحبَّ ليلى. لكنَّ كلَّ واحدٍ يَظنُّه له وحده.
الفصل الثالث
قصيدةٌ تحتَ الكأس
في آخرِ ليلةٍ من حياتِه، لم يَعرف أنّها الأخيرة. كانَ ذلكَ ربيعاً. كَتبَ البَيتَ السّابعَ بعد المئتين. قَرأَه. لم يُعجِبه. مَزَّقه. كَتبَ آخر. أَيضاً لم يُعجِبه. ثم — كأنَّ شيئاً قد فَتَحَ بابَه — كَتبَ القصيدةَ كاملةً، في صَفحةٍ واحدة. لم يَتوقَّف. الخَشبُ الذي كانَ يَفوحُ من الطّاولة بدا أَكثرَ حِدّةً تلكَ الليلة.
كَتبَ في النِّهاية: «حَبَّيتُكِ بالصَّيف، وحَبَّيتُكِ بالشِّتي / ونَطَرتُكِ بالصَّيف، ونَطَرتُكِ بالشِّتي / وعَيناكِ هما الصَّيفُ، وعَيناكِ هما الشِّتي…» اقتبسَ من فَيروز، وأَضافَ بَيتَه: «وأنا، يا ليلى، فَصلٌ خامس. لم تَجِديني، لأنّكِ ما كُنتِ تَنظُرين.»
طَوى الورقةَ نِصفَين. وضَعها تحتَ الكأس. كأنَّه كانَ يَنتظرُ أن يأتيَ أحدٌ يَجدُها. لم يأتِ أحد. أَطفأَ الغَليون. وَضعَ يدَه على صَدره. أَغلقَ عَينيه. ولم يَفتحْهما. لم يَلحَظِ النّاسُ ساعةً. كانوا يَظنّونَه يَفكِّر.
في الصّباح، وَجَدَ الصَّبيُّ الورقة. قَرأَها. لم يَفهَم البَيتَ الأخير. لَفَّها. وضعها في دُرجٍ. بعدَ ثلاثينَ سنة، حينَ جاءَ بَحَّارٌ اسمُه عَصب يَسأَلُ عن أوراقٍ قديمة، أَخرَجَها له. قال عَصب: «هذي وَصلتْ. أخيراً.» وأَخذها مَعه.