وراء كل عطر قصة

نبيذ أحمر

نبيذ أحمر

 

 

 


التُّوتُ في الصَّينيّة

نَبيذ أحمر — التُّوتُ في الصَّينيّة

كانتِ الصّينيّةُ كَبيرة، وفَوقَها التُّوتُ بكلِّ أنواعه. توتٌ بَرّيّ من بُستانِ الجَدّ، توتٌ أَزرَقُ من سُوقِ الزَّيتون، توتٌ أَحمَرُ كأنّه جُرحٌ صَغير. بِجوارها قارورةُ كونياكٍ قَديمة، مِن قَبوِ الجَدّ، عُمرها أَربَعونَ سنة. وُلِدَتْ قبل ليلى.

الكونياكُ — قبلَ أن يَصيرَ نَبيذاً أحمر في الكأسِ — كانَ قد مرَّ بأَيدٍ كَثيرة. الجَدُّ صَنعَه. الأَبُ حَفِظَه. وحَدَثَ شيءٌ غَريبٌ في الزَّجاجة: كأنَّ القِرفةَ والوَرد البلغاريَّ والبَارلين كلَّها انضمَّتْ إلى السّائلِ بدون أن يُضيفَها أحد. كأنَّ الزَّمنَ نَفسَه ألقى عَلَيه عُطورَه.

الزُّهورُ — ورودُ مايو على الطّاولات. الفانيلّا تَتسلَّلُ من الكَعكةِ البَيضاءِ في الزّاوية. كلُّ شَيءٍ كانَ في مكانه. ليلى ظَهَرتْ في الفُستانِ الأَبيَض، فابتعَدَ النّاسُ خَطوة. الفُستانُ كانَ أبيَضَ جدّاً، أبيَضَ كأنّه اعتَرَفَ بكلِّ شيء.

قَيسٌ في الزّاوية، أَبوها فارس على البَاب، شَهابٌ بِكاميرا ورقة في جَيبه — يُسجِّلُ ولا يُصوِّر. وَردةُ على عَتبة الباب، رَفضتْ أن تَدخُل. قالت: «الدّاخلُ يومَ العُرسِ، يُغادِر. أَنا لا أُغادِر.»


انكسارُ الكأس

نَبيذ أحمر — انكسارُ الكأس

رَفعَ الجَدُّ كأسَ الكونياك — صارَ نَبيذاً أَحمر بِفعلِ الزَّمَن — وتَقدَّمَ ليُسلِّمَها لليلى. خُطوتان. ابتسمتْ. مَدَّتْ يدَها. كانَ الأخشابُ في القاعة تَفوحُ من الأَرضيّة، الفانيلّا من الكَعكة، البَارلين من شيءٍ لم يَعرفه أحد.

في تلكَ الخُطوة الثانية، تَوَقَّفتْ ليلى. كأنَّ شَيئاً صَفعَها. التَفَتتْ إلى أَبيها — لم يَكنْ هو من نَظرتْ إليه، بل إلى ما خَلفه. الفَراغ. ثم إلى قيس. ثم إلى الكأس. وارتعشتِ الكأسُ في يدِ الجَدِّ قبلَ أن تَلمَسَها.

سَقَطت. ليس على الأَرض. سَقطتْ على فُستانِ ليلى. النَّبيذُ الأحمر، أَربَعونَ سنةً من الانتظار، انفَجَرَ على الأَبيَض. قِرفةٌ، وردٌ، تُوتٌ، كلُّها صارتْ بُقعةً واحدة. ضحكتْ ليلى — ضحكةً صغيرةً ولا أَفهَمُها — وقالتْ بصَوتٍ هادئ جدّاً: «وَفتِنا الكأس.»

ثم سَقَطتْ هي أَيضاً. لم يَفهَم أَحد. ظَنَّها قيسٌ ضَعفاً مُؤقَّتاً. ركَضَ. حَملَها. لم تَكُنْ تَستجيب. عيناها مَفتوحتانِ على القَلب، مُغلَقتانِ على الدنيا. ماتتْ على فُستانِها الأبيَضِ المُلطَّخ بالأَحمَر. ماتتْ والعَطرُ كاملٌ على بُقعَتها.


العَتَبةُ الحَمراء

نَبيذ أحمر — العَتَبةُ الحَمراء

لم يَغسِلْ أحدٌ الأَرضَ تحتَ مَكانِ سُقوطها. ولا الفُستان. ولا الجِدار الذي تَناثَرَتْ عليه قَطراتٌ من الكأس. الأهلُ تَركوا البَيتَ كما هو. كأنَّهم أَرادوا أن يَبقى المَوتُ مَوضوعاً، لا يُمحى. الخَشبُ تحتَ النَّبيذِ تَلَوَّن غَامقاً. حتى اليوم.

النّاسُ يَدخلونَ ويَقولون: «هَي ليلى.» يُشيرونَ إلى البُقعة. الفانيلّا لا تُغادِر تلك الزَّاوية. القِرفةُ، إن أصاخَ السَّمعَ المرءُ ليلاً، كأنّها تَهمسُ بِوصفةِ كَعكةٍ لم تَكتمل.

بَعدَ سنين، جاءَ بَحَّارٌ اسمُه عَصب، يَحمِلُ صُندوقاً صَغيراً. قالَ: «هذي بَتلةُ وَردٍ بُلغاريٍّ من الكأس. وَجَدْتُها في رِسالةٍ قَديمة، طارتْ منها في ميناءٍ بَعيد. أَحضَرتُها لكم.» وَضعَها على البُقعة. الزُّهورُ التي ما نَبتتْ في القاعةِ مُنذُ تلكَ الليلة، نَبَتَ منها وَردٌ بَرّيٌّ في الصَّباح. وَردٌ لم يَزرَعْه أحد.

وكلَّ سنةٍ، في الذِّكرى، يأتي قيس بقارورةِ نَبيذٍ صَغيرة، يَفتحُها فوقَ البُقعة، ويَشربُ نِصفها. النِّصفُ الآخرُ يَرشُقه على الأرض. يقول: «الكأسُ التي نَكسَرتْ، نَكَملُها معاً. أنتِ نِصف، وأنا نِصف. هكذا — حتى أَموت.»

همسة بُقعةُ النَّبيذِ على فُستانها — يَزعُمُ بَعضُ شُعراءِ المدينة أنَّها هي «الزَّهرَةُ الحَمراء» التي وَردَتْ في قصيدةِ شَهابٍ الأخيرة، تحتَ كَأس قَهوتِه.
السابق
هوس
التالي
شهاب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.