وراء كل عطر قصة

فجر

فجر

البَرغموتُ في الفَجر

فجر — البَرغموتُ في الفَجر

في الفَجرِ التّالي، خَرَجَ قَيس. لم يَعرف لماذا. لم يَعرف إلى أين. كانَ البَرغموتُ يَفتحُ في سُوقِ الحَمضيّات. الفلَّاحون يَكسرونَ الصُّناديق، والقِشورُ تَرتَفعُ بنَكهةٍ مُذهلة في الهواء. كأنَّ المدينةَ تَتنفَّس أوَّلَ نَفَس.

كانَ في يدِه ورقةٌ. لم يَتذكَّر متى كَتَبها. كَتبَ عليها: «الصَّباحُ ميتٌ بِدونِها.» قَرأَ السَّطرَ مرّتَين. وَجَدَه أَكثرَ هُدوءاً مما كانَ يَتوقَّع. كأنَّ قلباً قُتلَ ولا يَعرفُ بَعد. الكلامُ يَخرُجُ منه مُرتَّباً، ولا أحدَ يَنزفُ.

التَفَتَ. رأَى تُفَّاحاً أخضرَ في عَربةٍ صَغيرة. اقتَرَب. أَخذَ واحدةً. لم يَدفع. البائعُ — لم يَكُنْ شابّاً، لم يَكُنْ كبيراً — نَظَر إليه، وقالَ بصَوتٍ هادئ: «خُذْها، يا ابني. التُّفّاحةُ في الفَجرِ مَجَّانيّة.»

أَكلَها. كانتْ بطَعمٍ غَريب. ليستْ تُفّاحةً عاديّة. كانَ فيها شيءٌ من ابتسامةِ ليلى آخرَ مرَّةٍ. كأنّ التُّفّاحَ في هذي المدينة، بَعدَ مَوتها، صارَ كلُّه يَحمِلُ شيئاً منها.


المَريَميّةُ والذِّكرى

فجر — المَريَميّةُ والذِّكرى

مَشى. مَرَّ بِبائعَةِ أَعشاب. كانتْ تَفرُشُ مَريَميّةً جافّة. الرّائحةُ أَيقَظَتْ فيه شَيئاً قَديماً. كانتْ أُمُّه تَصنعُ شاياً بِالمَريَميّة كلَّ شِتاء. ماتتْ أُمُّه قَبلَ ليلى بسَنَوات. اِبتسمَ ابتسامةً صَغيرة. ها هي اليَومَ تَلتقيانِ في الجَنَّة، يَتحدَّثان عنه. هذا ما تَخيَّل.

جَلسَ على بَنكٍ. تُوتُ العَرعرِ كانَ مُتساقطاً تحتَ شَجرةٍ قَريبة. أخذَ حَبَّةً، وَضعها في فَمه. مَريرة. بَصَقها. ضَحِكَ. قالَ بصوتٍ خَفيض: «ليلى كانتْ تُحبُّ المَرارة. أنا لا.» كأنَّ الفُروقَ بَينَهما لم تَزَل، حَتى بَعد المَوت.

حبَّاتُ التّونكا تَناثَرَتْ من كيسٍ مَكسورٍ بِجَوارِ بائع. تَدحرَجَتْ إلى قَدميه. التَقَطَ واحدةً. ذَكَر صَدرَه. ذَكَر الحبَّةَ التي دَخلَتْ تحتَ ضِلعه. ضَحِك ضَحكةً ثَقيلة، قال: «حبيبتي، إنتي بكلِّ شيء.»

في تلك اللَّحظة، كانَ الفَجرُ قد كَمُل. الشَّمسُ صَعدتْ. صَوتٌ من بَعيد، رادْيو في مَقهى يَفتح، صَوتُ امرأةٍ تُغنّي: «غابَ نَهارٌ آخر، يا رَيت ما كان…» اِنتَفَضَ. هذا الصَّوت. صَوتُ فَيروز. الأُغنية التي كانَ يُغنّيها ليلى أحياناً، وهي تَكوي. وقفَ. عَرَفَ أَنَّ هذا الصَّباح، أَيضاً، لها.


الأَخشابُ في النِّهاية



في النِّهاية، وَصلَ إلى البَيتِ الخَشبيِّ القَديم. لم يَكُنْ يَنوي. قَدَماه أَخَذَتاه. وَقَفَ أمامَ النَّافِذة. لم يَنظُر. كانَ يَخافُ أن يَنظُر، فيَجدها ولا يَجدها.

وَضعَ يَده على الجِدار. الخَشبُ قديم. كأنّه يَتنفَّس. حبّةُ التُّونكا في يدِه ضَغَطها على الخَشب. شَعرَ، أو خَيَّلَ إليه، أنَّ الخَشَبَ احتَواها. كأنَّ البيتَ — كما يأخُذُ التُّفّاحاتِ من على عَتبتِه — أَخَذَ التُّونكا من يدِه.

فاحتْ من النّافذةِ، لِأَوَّلِ مرَّةٍ منذُ أَمسٍ، رائحةُ فانيلّا. هَمَسَ: «صَباحُ الخَير، يَا حَبيبَتي.» سَمعَ، أو خَيَّلَ إليه — هذا ما كانَ يَفعَلُ في كلِّ شَيءٍ بَعدَها — هَمساً يَعود: «صَباحُ النور.»

ابتعدَ. الخَشبُ بَقي. الصَّباحُ بَقي. حبَّاتُ تونكا قليلة كانتْ ما زالتْ في يَده. وَضَعها في جَيب صَدره، فَوقَ القلب. مَكانَ الحبَّةِ الأُولى. هكذا أَدرَكَ أَنَّه — بَعدَ ليلى — لن يَفقدَ ضِلعَه أبداً. اشتاقَ، فيَدُقّ. هذا وَعْد.

همسة بائعُ التُّفّاحِ الذي قَدَّم له تُفّاحَتَه مَجّاناً — يقولُ بَعضُ النّاسِ إنَّ هَيئَتَه كانَتْ كهيئةِ شَيخٍ ماتَ على قَبرِ ليلى بَعدَ ذلك بِعَام.
السابق
محارب
التالي
قمر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.