الفصل الأوّل
البَرقوقُ في الصَّحن
في تلكَ اللَّيلة، أكَلتْ ليلى بَرقوقاً قَبلَ النَّوم. ثَلاثَ حَبَّاتٍ. كانَ الجَوُّ صَيفاً، لكنَّ البَرقوقَ — لِسَببٍ ما — كانَ في السُّوق. بَرقوقُ شِتاءٍ في صَيف. غَرابةٌ صَغيرة، لم تَنتَبِهْ لَها.
غَلَبَها النَّوم. وفي الحُلم، فَتَحَتْ عَينَيها فَوَجَدَتْ نَفسَها في غُرفةٍ غَريبة. كانتْ مُسنّةً. شَعرُها مَخطَّطٌ بِالشَّيب. غُرفةٌ بَيضاءُ كَبيرة، نَوافذُها مَفتوحةٌ على بَحر. البَحرُ هادئ. شَجَرَةُ تينٍ على البَاب.
على طاولةٍ خَفيضة: بَرقوقٌ، جَوزُ هِند، مِشمِشٌ مَجفَّف، لَوزٌ. كأنَّ كلَّ ما اشتَهَتْه في حياتِها مَوضوعٌ هناك. أَخذَتْ مِشمِشَةً وأَكَلَتْها. كانَ طَعمُها هائلاً. كأنَّ كلَّ مِشمِشَةٍ في عُمرها اجتَمَعَتْ في هذي.
صَعَدَ مِن الغُرفةِ المُجاوِرَة صَوتُ ضِحكِ طِفل. ابتَسَمَتْ. عَرَفَتِ الصَّوت. بدونِ أن تَعرف لِمَن. كأنَّه صَوتٌ تَعرفُه قَبلَ أن تُولَد. الياسمينُ على النّافذة. خَشَبُ الباب قَديم. كأنَّها في بَيتٍ لها لم تَعش فيه أبداً، أو عاشَتْ فيه قَبلَ هذا العالَم.
الفصل الثاني
الياسمينةُ تَتكَلَّم
نَهضَتْ. مَشتْ إلى النَّافذة. الياسمينةُ التي تَتسلَّقُ الجِدارَ كانَتْ تَتفَتَّحُ زَهرةً زَهرة. كأنَّها تَفتَحُ لها وَحدَها. لَمَسَتْ بَتلةً. همَستْ: «إنتي مِن وَين؟» وكأنَّ الياسمينةَ — لا أُكذِّب الحُلمَ، فَهَكذا حَكَتْه — أَجابتْ: «مِن بَيتِك القَديم. أَنا الياسمينةُ نَفسُها.»
ضَحِكَتْ ليلى في الحُلم. قالتْ: «أَنا في حُلمٍ، صَحّ؟» قالَتِ الياسمينة: «هذا ليسَ حُلماً، يا حَبيبتي. هذا بَيتُكِ في عالَمٍ آخر. هَو يَنتَظِرُك.» قالَتْ: «وأَنا أَكونُ هُنا متى؟» قالَتْ: «حِينَ تَتركينَ هُناك.» لم تَفهَم. لكنَّ الفانيلّا في الهَواءِ كانَتْ ثَقيلة. ووَردُ مايو على الطّاولَة.
اللَّوزُ المَجفَّفُ بِجانبِها صارَ يَفوحُ بشدّة. كأنَّه يَستدعيها إلى الواقعِ، أو إلى عالَمٍ آخرَ بَعد. خَشَبُ الصَّندَلِ في الجِدار. صَوتُ الطّفلِ مرَّةً ثانية، يَنادي: «ماما!»
اِلتَفَتَتْ. لم يَكنْ في الغُرفةِ أحد. لكنَّ الصَّوتَ كانَ — أَقسَمتْ في الحُلم — صَوتَ ابنَتِها. ابنةٌ ما وَلَدَتْها. ابنةٌ ما حَمَلَتْها. ابنةٌ تَعرفُها بشكلٍ غَيرِ مُتَوَقَّع. ابتسمتْ ابتسامةً مُؤلمة. وقالتْ: «أَنا قادِمة، يا حَبيبتي.»
الفصل الثالث
الاستيقاظ

اِستيقَظَتْ. الفَجر. بَرقوقَتانِ ما زالتا على الصَّحن. أَكَلَتْ واحدةً مَرَّةً ثانية. لم تَكُن بِنَفسِ الطَّعمِ. كانتْ بَرقوقةً عاديّة — لا شَيءَ مِنها. كأنَّ شَيئاً منها قد بَقي في الحُلم.
مَشَتْ إلى المِرآة. كانتْ شابّة، كما هي، في السَّابعةَ والعشرين. ابتسامتُها على وَجهِها بَدَتْ غَريبةً. كأنَّ في وَجهِها وَجهانِ، واحدٌ يَنظرُ إلى المِرآة، والآخَرُ يَنظرُ إلى مَكانٍ بَعيد.
كَتَبَتْ في دَفتَرِها الأَسوَد ذلكَ الصَّباح: «رَأَيتُ بَيتي في حُلمٍ. ليس هَنا. مَكانٌ آخر. وكانَ هُناكَ طِفلٌ يُناديني. أنا أَخافُ، ولا أَخاف. أنا فَرِحَة، ولا أَفرَح. كأنَّ شَيئاً في داخِلي قَد عَرفَ أَيَّ بَيتَين بَيني.»
بَعدَ ثَلاثِ لَيالٍ، ماتت. ولكنَّها — في عالَمٍ آخر — اِستَيقَظتْ. في الغُرفَة البَيضاء، بِجانبِ شَجَرةِ التِّين. الطِّفلُ الذي كانَ يَناديها كانَ يَلعَبُ في الحديقة. الزَّوجُ — قَيسٌ، أَكبَرَ بِعِشرين سَنة، وفيه شَيءٌ مِن العُمق — يُعِدُّ القَهوة. نَظَرَتْ. ابتَسَمَتْ. قالتْ: «صَباحُ الخَير، يا حَبيبي.» قالَ: «صَباحُ الخَير، يا ليلى.» اسمُ المَكانِ الذي صَحَتْ فيه: «سَكَن».