الفصل الأوّل
الزِّيُّ على الباب
كلَّ جُمعةٍ، يَمسحُ فارس أزرارَ زِيِّه القديم. لم يَلبَسْه منذُ خمسة عشرَ عاماً، لكنّه يَبقى مَعلَّقاً على بابِ الخِزانة، أنيقاً كَيومِ الاستلام. يَفركُ الأزرارَ بقُماشٍ ناعم، حتى تَلمَع. ثم يَجلِس. ويَنظُر إليها. كأنّه يَنتظرُ أن يَدخلَ أحدٌ ويأمرَه أن يَلبسَها. لكنَّ الذي كان يأمرُه ماتَ، والتي كانت تَفخَرُ به ماتت.
ابنتُه ليلى كانتْ تَضعُ حبَّةَ هَيلٍ في قهوتِه كلَّ صباح. تقول: «أبي، الهيلُ يُذكِّرُك بكَ.» لم يَفهمها. ضَحكَتْ، ولم تُفسِّر. منذُ رحَلَتْ، لم يَشربْ قَهوة. تَركَ الكأسَ على الطّاولة كما تَركَتْها. والهيلُ في الجَرَّة كما تَركَتْه. والمَلعقةُ في وضعِها كما تَركَتْها.
البيتُ كلُّه مُتحَفٌ صغيرٌ لها. كلُّ شيءٍ في مكانه. حتى الكتاب الذي كانتْ تَقرَؤه آخرَ ليلةٍ — مفتوحاً على الصَّفحةِ التي وَقَفَتْ عندها. لم يَقرأْها. لم يَجرُؤ. قال لي مرّةً: «إن قَرأتُها، انتهتْ.»
ولا أعرفُ ما الذي يُريدُ ألّا يَنتهي بالضَّبط: الكِتاب، أم ليلى، أم هذا الزَّمنُ الذي لم يَتحرَّك من ساعةِ رحيلِها. الزَّيّ على الباب يَنتظرُ، والهيلُ في الجَرَّة يَنتظرُ، وأبٌ لم يَعُدْ أباً يَنتظرُ. كلٌّ يَنتظرُ ما لا يأتي.
الفصل الثاني
اللافندر في الخِزانة

بَعدَ سنةٍ، فَتحَ خِزانتَها. وَضعتْ بينَ ثيابها أكياسَ لافندر صغيرة، خِيطَتْ بيدها. كانت رائحةُ اللافندر هي رائحتَها — بيضاءُ، باردةٌ قليلاً، ذكيَّةٌ كأنّها تَعرفُ سِرَّك. وقفَ أمامَ الخِزانة طويلاً، لم يَلمسْ فُستاناً. تكلَّم.
قال: «ابنتي، أنا الذي خَذلَك. كنتُ أُريدُ أن أُربِّيكِ كما رُبِّيت — صَلبةً، صَبورة. ضَحكتُ مرّةً حين بَكيتِ، لأنّني ظَنَنْتُ أنَّ الضَّحكَ سيَجعلُك أقوى. كنتُ خاطئاً. الآنَ لا أحدَ ليَضحَك، ولا أحدَ ليَبكي.»
تَلا بصوتٍ خافت بَيتَ المتنبّي الذي طالما رَدَّدَه أمامَها: «إذا غامرتَ في شَرَفٍ مَرومِ — فلا تَقنعْ بما دونَ النُّجومِ.» كانتْ تَدورُ بعَينيها كلَّما رَدَّدَه. الآن قالَ البَيتَ كاملاً، فلم تَدُر عينٌ. الفُستانُ المُعلَّقُ بقي ساكناً، كأنّه لم يَسمَع.
أَخذَ كيسَ لافندرٍ صغيراً، ووضَعَه في جَيبِ صَدره، فوقَ القلب. منذُ ذلك اليوم، لا يَخرجُ من البيتِ بدونه. يَقولُ لِمَن سأله: «هذا ابنتي. أَحمِلُها معي.»
الفصل الثالث
الخَشبُ يحترقُ ببُطء
في آخرِ ليلةٍ، فَتحَ الدُّرجَ المغلَقَ منذُ سنين. رسائلُ. عَشَراتُ الرّسائل، كلُّها مَكتوبةٌ بخطِّه، مُوَجَّهةٌ إليها، لم تُرسَل ولم تَصِل. رسائلُ يقولُ فيها ما لم يَقُلْه يوماً: «أحبُّكِ، يا ابنتي.» «أَنا فَخورٌ بك.» «سامِحيني.»
في كلِّ رسالةٍ تَوقيعٌ بِاسمِه ورُتبَتِه، كأنّها تقاريرُ رسميّة. كأنّ الحُبَّ عندَه أيضاً يَحتاجُ إلى أوراقٍ مَختومة. أَشعلَ شَمعةً من خَشبٍ، فَفاحَ العُود. أَخذَ الرسائلَ واحدةً واحدة، وأَلقى بها في النّار.
كلُّ رسالةٍ تَحترقُ، يَقولُ معها كلمةً: «وصَلَتْ.» «وصَلَتْ.» «وصَلَتْ.» كأنَّ النّارَ بريدُها الأخير. حينَ احترقتِ الأخيرة، نظرَ إلى الزِّيِّ المعلَّق. لأوّلِ مرّةٍ منذُ سنين، لم يَلمَع. كأنّه ارتاح.
في الصّباح، وَجدوه على الكُرسيّ، عَيناه مَفتوحتانِ نحوَ الباب. حبَّةُ الهيل في قَبضتِه. لم يكنْ في وَجهِه ألَم. قالتِ الجارة: «نام.» وأنا أعرف. هو لم يَنَم. هو لَحقَ بها. وبَعدَ يومٍ واحد، فُتحَ في القَبر مكانٌ يَتَّسعُ لاثنين. كأنّ القَبرَ كان يَنتظر.