وراء كل عطر قصة

وردة

وردة

 

 

 


العَربةُ التي لا تَتحرَّك

وردة — العَربةُ التي لا تَتحرَّك

وَردةُ بائعةُ الزُّهور. تَجلسُ على كُرسيٍّ خَشبيٍّ صَغيرٍ في زاويةِ الشّارع، وأمامَها عَربةٌ صَغيرةٌ مُمتلئةٌ بالورد. لَيمونٌ في طَرَفِها — تَستعملُه لتَعقيمِ السَّكاكين. زَهرةٌ مَفتوحة، زَهرةٌ نِصفُ مَفتوحة، زَهرةٌ ذابلةٌ. تَبيعُ المُتفَتِّحَ والذّابِل. تقول: «الذّابلُ يَعرفُ شَيئاً لا يَعرفُه المُتفَتِّح.»

لا أحدَ يَعرفُ كم عُمرها. سألتُ جَدّتي ذاتَ يومٍ، وكانتْ في السَّبعين. قالت: «وَردةُ كانت كما هي حينَ وُلِدتُ.» سألتُ أُمَّ جَدّتي حينَ كانتْ حيّة: قالت الشّيءَ نفسَه. كأنَّ وَردةَ ليستْ امرأةً، بل ركنٌ من أركانِ الشّارع. أو روحٌ خَشبيّةٌ خَرجتْ من الياسمينةِ المتسلِّقة.

تُحبُّ الفانيلا. تَضعُ قِطرةً من زَيتِها وراءَ أُذنها كلَّ صباح. تقولُ: «الفانيلّا كانتْ زَهرةً قبلَ أن تكونَ نَكهة. النّاسُ نَسوا.» الخَشبُ من عَربتِها قَديمٌ، نَخَرَه الزَّمَن، لكنَّه لم يَنكَسر. كأنَّ في الخَشبِ نَفسِه شَيئاً يَأبى السُّقوط.

حينَ تَرى ليلى — كانت تَراها كلَّ يوم — تَبتسمُ ابتسامةً غامضة. لم تَقُل لها شيئاً يوماً. لكنَّها كانتْ تُعطيها وردةً واحدةً مَجَّاناً، كلَّ مرَّةٍ. ليلى تأخذُها، لا تَدفع. كأنَّ الاتّفاقَ مَكتوبٌ من قبلِهما.


شَهادةُ الشّارع

هي تَرى. هذا ما تَفعلُه. تَرى. شَهابَ يَدخُلُ القَهوةَ كلَّ ليلة. قيساً يَخرُجُ منها. ليلى تَنزِلُ إلى الميناء. ليث يَهرُبُ في الفَجر. عَصب يَأتي من السَّفينةِ ومعه رسائل. فارساً يَغيبُ في خِزانةِ ابنته. كلٌّ يَمرُّ بها. كلٌّ يَشتري وردةً، أو يَنسى أن يَشتري.

حينَ خَرجَتْ ليلى من بيتِها آخرَ مرّة، اشترتْ من وَردةَ ثلاثَ وَردات. قالتْ وَردة: «ليه ثلاثة؟» قالتْ ليلى: «واحدةٌ لِأبي، وواحدةٌ لِأخي، وواحدةٌ لِمَن سَيأتي بَعدي.» نَظرتْ وَردة في عَينَيها. لم تَسأَل أكثر. لكنَّها رَفعتْ يدَها ولَمستْ خدَّ ليلى. لأَوَّلِ مرّةٍ منذُ سنين.

في تلكَ اللحظة، شَمَّتْ ليلى رائحةَ خَشبٍ قَديمٍ، وفانيلّا، وزُهور لا تنتمي لِهذا الفَصل. سألتْ: «من أينَ تأتي بكِ هذي الرّائحة؟» ضَحكتْ وَردة: «من بَعيد. من بَعيد جدّاً. من قبلَ أن يَكونَ هذا الشّارعُ شارعاً.»

وحينَ ماتتْ ليلى، كانتْ وَردةُ أوّلَ مَن عَرف. قبلَ أهلِ البَيت. قبلَ قيس. قبلَ شُهاب. وَضعتْ ثلاثَ زهراتٍ على عَتبةِ بيتِها قبلَ أن يَدُقَّ النَّعيُ البَلَدَ. سَألَها أحدُهم: «إزّاي عَرفتِ؟» قالتْ: «الشّارعُ قال.»


الياسمينةُ التي تَقرأ الرّسائل

وردة — الياسمينةُ التي تَقرأ الرّسائل

كلَّ ليلةٍ، يَأتي قيس بِرسالةٍ مَكتوبة، ويَتركُها على عَربتِها. لا يَتكلَّم. لا يَطلُب. تَأخذها وَردة، وتَنظرُ إلى السَّماء، وتُعلِّقُها على شَجرةِ الياسمينِ التي تَتسلَّقُ بَيتَ ليلى. تقول: «هي تَقرأ من هناك.»

النّاسُ لا يُصدِّقون. يَضحكون منها وراءَ ظَهرِها. لكنَّ أحداً لم يَجرُؤ أن يَفعَلَ ذلك في وَجهها. الخَشبُ، والفانيلّا، والزَّهرُ المُتساقِط، كلُّها كانتْ تَقولُ شيئاً عنها. أنَّ في كَيانها عُمراً لا يَعرفه أحد.

ذاتَ ليلةٍ من ليالي يناير، وَجدوها على كُرسيِّها وَهي مُغمِضة. لم تَكُن نائمة. الزُّهورُ في العَربة كانتْ كلُّها مَفتوحةً، حتّى الذّابلةُ منها. الياسمينةُ في الشَّجرةِ المُقابلة كانتْ تَتساقطُ، فَتَّةً فتّة. كأنَّ الشَّجرةَ تَبكي.

حَملوها. لم تَكنْ ثَقيلةً كما يُتَوَقَّع. كأنَّها كانتْ خَفيفةً منذُ البَدء. ودَفنوها بِجوار الياسمينة. وفي الصّباحِ التالي، وَجَدَ النّاسُ على عَربتِها وردةً واحدةً، طازجةً جدّاً. ولم يَجرُؤ أحدٌ على أَخذِها. تَركوها هناك. ولم تَذبُل. منذُ ثلاثين سنة. لم تَذبُل.

همسة بائعةُ الزُّهور — يقولُ بعضُ القُدامى إنَّها هي ذاتُها وَردةُ مايو في «حُلم» ليلى، الَّتي ظَهَرَتْ في فُستانٍ أبيَض.
السابق
فيروز
التالي
جنة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.